08‏/04‏/2011

إرشـــاد الأخـيــار إلى منـهـجـيـة تــلـقـي الأخـبــار



الحمد لله وكفى ، والصلاة والسلام على النبي المصطفى ، وعلى آله وصحبه الشرفاء.

وبعد ، فلا يخفى على الأحبة الأخيار أهمية معرفة الأخبار ـ خاصة أخبار العالم الإسلامي ـ ، ويجب بداهة أن نضع لأنفسنا
منهجا واضحا في كيفية تلقي الأخبار ، خاصة بعد أن أخذ الغربيون وأذنابهم بناصية الإعلام في داخل بلاد المسلمين وخارجه .

والذي دفعني لكتابة هذه الأسطر القليلة ما لوحظ من اضطراب بعض الأخوة الأخيار في كيفية التمييز بين صحيح وسقيم الأخبار بالبداهة والفطنة ، فتجد بعضهم ينكر ما لا يصح إنكاره ، ويصدق ما لا يصح تصديقه .

فأقول ـ وبالله تعالى التوفيق والسداد ـ :
إن لوسائل الإعلام المختلفة الأثر الكبير والخطير على أفكار أبناء الأمة الإسلامية ، وقد ابتلينا في زماننا هذا بأن أخذ بناصية صناعة الإعلام الغرب الصليبي والصهيوني ، وروج له أذنابهم في الداخل .

وبلا ريب ـ أيها الأحبة ـ أننا في حاجة ماسة لمناقشة الطريقة المثلى لتلقي أخبار الجهاد والمجاهدين في العالم ، وتحليلها ودراستها بوعي كبير ؛ خاصة بعدما استولى أعداء الأمة على الساحات الإعلامية المختلفة من صحف ، وإذاعات ، وقنوات فضائية …الخ ، ولم يبقَ لنا في هذا المضمار غير المنتديات الإسلامية .

فالسؤال الذي يطرح نفسه الآن :
هل قبول الأخبار مطلقًا هو الصواب ، أو الرفض التام حتى يلج الجمل في سم الخياط ؟!!.

لعل أعدل الأقوال هو الالتزام بـ
(منهج النقد الإخباري ) ، والذي سأستعرض أبرز سماته ـ من وجهة نظري ـ فيما يلي :

أولا ـ ما المقصود بالخبر ؟! .

المقصود بالخبر هنا : ما ينقل ويحدث به قولا أو كتابة ، وهو بمعنى سرد "معلومات" معينة بغض النظر عن طبيعة أو مصدر هذا الخبر.

وبلا ريب أن الأخبار التي تتناقلها وسائل الإعلام تحتمل الصدق والكذب ، والذي يرجح أحدهما على الآخر "قرائن الحال" والتي سوف أشير لبعضها بعد قليل ـ إن شاء الله ـ .

ثانيا ـ أهمية معرفة المنهج الأمثل في تلقي الأخبار .

لا يصح أن يكون المؤمن هكذا وعاء لكل خبر أو نبأ ، تتلاطمه أمواج وسائل الإعلام على اختلاف مشاربها ، بل يجب أن يكون لديه المنهج الواضح الذي يمكنه بواسطته الموازنة بين الأخبار المتناقضة .

فترجع أهمية وضع منهجية في تلقي الأخبار إلى أننا لم نشاهد الخبر بأم أعيننا أصلا ، بل نعتمد في ذلك على ما نسمعه من النقلة .

غــرني أن أرى الديــــار بعيـنـي # # # ولعلـــي أرى الديــــار بسمعي

فالفائدة من معرفة هذا المنهج معرفة الأمور على وجهها الحقيقي الصحيح .

ثالثا ـ قبل الوقوف على بعض "قرائن الحال" المشار إليها آنفا وجب الوقوف على عدّة حقائق يستلزم استصحابها معنا عند قراءة أي خبر ، وهي :

1 ـ الأصل في المسلم " عدالته ، وصدق خبره ، وحسن الظن به " .

لأن هذا أصل عقيدة الولاء للمؤمنين ، فالولاء يكون بالنصرة والإكرام ، ومن لوازمه المحبة والاحترام، ومن لوازم المحبة والاحترام الحكم بعدالته ، وحمل خبره على الصدق ، وحسن الظن به .

ولك أن تتأمل قول ربك: ((
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )) (التوبة:71) .

وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : لا تظنن بكلمة خرجت من في امرئ مسلم سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا. اهـ .

2 ـ الأصل في الكافر " جرحه ، وكذب خبره ، وإساءة الظن به " .

وهذا هو الأصل الذي لا يمكننا أن نتزحزح عنه إلا بدليل .

فالكافر لا دين له ، ومن لا دين له لا عدالة له ، ومن لا عدالة له ، خبره غير مقبول ، ولزم إساءة الظن فيه مجبول ؛ لأنه من أولياء الشيطان . وهذا هو مضمون عقيدة البراءة من الكفار.

قال ابن القيم في مقدمة "هداية الحيارى" : كل من كذب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وأعرض عن متابعته ، وحاد عن شريعته ، ورغب عن ملته ، واتبع غير سنته ، ولم يتمسك بعهده ، ومكن الجهل من نفسه ، والهوى والفساد من قلبه ، والجحود والكفر من صدره ، والعصيان والمخالفة من جوارحه فهو ولي الشيطان. اهـ .

ولك أن تتأمل قول ربك : ((
كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ )) (التوبة:8).

3 ـ يحق للمسلم خداع العدو بكل السبل الشرعية ، ومن ذلك الكذب الصريح عليه .

والأصل في ذلك ما رواه جابر بن عبد الله مرفوعا :
(الحرب خدعة) رواه الشيخان .

قال في "تحفة الأحوذي" : واتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب ، وكيف أمكن الخداع إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان ، فلا يحل ، وقد صح في الحديث جواز الكذب في ثلاثة أشياء أحدها في الحرب … وقال ابن العربي : الكذب في الحرب من المستثنى الجائز بالنص رفقا بالمسلمين لحاجتهم إليه. اهـ .

ومن زعم من أهل العلم بأن المقصود بالكذب في الحرب هو استعمال التعريض في الكلام ، فيه بعد ؛ لمخالفته ظاهر النصوص ، قال النووي في "شرح مسلم" : والظاهر إباحة حقيقة نفس الكذب ، لكن الاقتصار على التعريض أفضل . اهـ .

وقال ابن كثير في "تفسيره" : أو يكون على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة ، فهذا أمر مطلوب كما جاء في الحديث ( الحرب خدعة ) . اهـ .

وقد سجل لنا التاريخ مثالا رائعا للخداع والمكر في الحروب ، فقد أتى نعيم بن مسعود رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـفقال : يا رسول الله ! إني قد أسلمت ، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي ، فمرني بما شئت ؟ فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
"إنما أنت فينا رجل واحد إن استطعت فإن الحرب خدعة" .

فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة وأوقع بينهم وبين قريش في قصة مشهور في غزوة الخندق .

وفي هذا الخصوص نعلم خطأ بعض الملتزمين الذين اعتقلتهم بعض الأنظمة الجائرة في بعض البلاد الإسلامية بتوريطهم بعض إخوانهم أثناء التحقيق معهم ، فيذكرون دقائق الأمور لهؤلاء الظلمة ـ تعبد ا لله ـ ، وعندما سئل أحدهم عن ذلك ؟ قال الكذب حرام!! .

فوالله ما رأيت أجهل من هؤلاء ، وصدق الحبيب حيث قال :
(فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم) رواه الترمذي بإسناد صحيح من حديث أبي أمامة مرفوعا.

4 ـ المحترف الكذب في حاجة ماسة لإشاعة مصداقيته .

فقد يصدق الكذوب ، كإبليس عندما أمسكه أبو هريرة وهو يسرق من مال الزكاة ، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
(أما إنه صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب من ثلاث ليال يا أبا هريرة؟!) . قلتُ : لا . قال : (ذاك شيطان) . رواه البخاري.

والكاهن يأتي بجرام صدق ويغمره بأطنان كذب .

فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال :
(الملائكة تتحدث في العنان ـ والعنان الغمام ـ بالأمر يكون في الأرض ، فتسمع الشياطين الكلمة فتقرها في أذن الكاهن كما تقر القارورة ، فيزيدون معها مائة كذبة) . رواه البخاري .

فكما ترى أن الدجال لا يمكنه الترويج لكذبه وباطله إلا إذا مهد لكذبه بإشاعة مصداقيته بين القوم ، وهذا ما يقوم به الإعلام الغربي ، فهو يكذب كثيرا ، ولكنه يدبج هذا الكذب بباقة من الصدق ، وعندما يكذب يعلم متى وأين يكذب ، وليس كما يتصوره بعض المتحمسين أنه بلغ من الغباء والحمق بحيث يفضح نفسه بنفسه ‍‍!!.

رابعا ـ من القرائن التي تؤكد صدق خبر العدو أن يتضمن (الخبر) على إمكانية إقامة الحجة على كذبه من الطرف الآخر .

وهذه القرينة يغفل عنها الكثير من الأخوة المتحمسين ، فمجرد أن ينقل أحدهم الخبر من (
CNN) أو قناة الجزيرة حتى يغمز ويلمز الناقل ويتهم بالسذاجة ، وعند التأمل نجد هؤلاء الأحبة للأسف علموا شيئا وخفت عنهم أشياء ، وبلغوا من السذاجة ما يستدعي للمعالجة العاجلة!!.

والقرينة التي ذكرتها آنفا من أبرز القرائن في هذا الباب ؛ وذلك لأنه بداهة كيف يمكن للعدو أن يضع مصداقيته على محك خبر ، فمثلا خبر اعتقال (رمزي بن الشيبة) أعلنه العدو ، فإعلانه يتضمن معنى مصداقية الخبر (على الراجح) ؛ لأن الخبر لو كان غير صحيح فيمكن لخصمه (تنظيم القاعدة) بكل سهولة إثبات كذب الخبر عن طريق إرسال شريط مسجل يظهر فيه "ابن الشيبة" فتسقط مصداقية الأخبار التي يبثها العدو عبر وسائل الإعلام المختلفة . ولا أظن بأن الحماقة تصل بهؤلاء إلى هذا الكذب المكشوف.

وعلى شاكلة هذا الخبر قس بقية الأخبار .

ولا يمنع مطلقا أن يكون الخبر أحيانا غير صحيح ، ولكن عند التأمل يكون هذا بسبب خطأ أو وهم أو سهو ، وليس الكذب المتعمد، ولسنا بذلك نزعم إحسان الظن بهم ، ولكن لعلمنا بذكاء عدونا ومكره وخبثه نقطع أنه يستحيل أن يقع في مثل هذه الورطة المفضوحة في الكذب .

خامسا ـ قرينة أخرى عكس القرينة السابقة ، وهو أن يظهر من الخبر عجز الطرف الآخر عن كشف الكذب ، وفي هذه الحالة يتجلى الكذب بوضوح تام .

مثال ذلك أن يعترف العدو بسقوط صواريخ على قاعدته العسكرية ، ثم يزعم عدم وقوع إصابات .

فلكون العدو يعرف أن حقيقة خسائره لن يستطيع خصمه معرفتها ، فهو يكذب وينفيها .

وقس على هذا جميع الأخبار التي تصدرها وزارة النفي (البنتاجون) ولا يمكن لجهة محايدة الاطلاع على حقيقته .
سادسا ـ ويجب عند الحكم على الخبر استصحاب الحال ، ومراعاة الواقع ، فمثلاً يجب تفهم الوضع قبل الحكم على الخبر وإدراك كنه أطراف القتال.

فعباد الرحمن الذين باعوا أنفسهم لله تعالى ، وتمرسوا لسنوات على الكر والفر ، وتحلوا بشجاعة منقطعة النظير في هذا الزمان ، يستحيل أن نقبل في حقهم ما يصوره لنا البنتاجون بأنهم ثلة من الحمقى والمغفلين ، لا يحسنون الرمي أو التصويب فيزعمون بين الفينة والأخرى بأن المجاهدين في أفغانستان ضربوا قاعدة عسكرية أمريكية وسقط الصاروخ على بعد كيلو متر ؛ كأن المجاهد الذي يصوب عليهم أصيب بالحول المركب بين عشية وضحاها ، بينما هو نفسه كان بالأمس قناصا بارعا باعترافهم يوم كان خصمه الاتحاد السوفيتي !!!.

سابعا ـ في مقابل ذلك نحن نتفهم جيدا طبيعة هذا العدو بأنه من أجبن خلق الله في الأرض لا يقاتلون إلا من وراء جدر تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى.

وما الشخصيات الأسطورية التي اخترعوها في استوديوهات هوليود كـ "رامبو" ، و"سوبر مان" ، و"الوطواط" ، و"الرجل العنكبوت" ، و"الرجل المطاط" ، و"الرجل الأخضر" ، و"جيمس بوند" …الخ ما هي إلا عبارة عن تنفيس عن مكبوت الجبن والضعف كما يقول ذلك علماء النفس.

فالضعيف نفسيا عادة يبتكر لنفسه شخصية أسطورية ليختبئ وراءها كما يفعل هؤلاء الجبناء .

فعندما يرد إلينا خبر من هؤلاء يدل على عنترية المقاتل الأمريكي ، وأنه فعل بالمجاهدين كذا وكذا ، وأعتقل وأسر وقتل الكم الكبير من المجاهدين كما هو في سيناريو (تورا بورا) فمثل هذا بعضه يكذب بعض ، لتناقض الخبر مع شخصيات الفيلم الهوليودي .

ثامنا ـ على مثل هذه القرائن السابقة وأشباهها يمكننا نقد الأخبار التي ترد إلينا من الأحباب والأعداء ونزنها بميزان العقل الراشد.

ويمكننا أن نميز بين الخبيث والطيب من الأخبار ، وما وقع فيه من الريبة يحفظ ولا يرمى في سلة القمامة حتى يأتي ما يشهد لصدقه أو كذبه. بمعنى أننا نرهف أسماعنا ، ونشحذ أذهاننا لكل خبر ونضعه على طاولة الدراسة والنقد في ضوء المستجدات والملابسات الحاصلة لكل خبر، وليكن ذلك لطائفة منا نعهد لها الأخبار لتدرسها وتحللها لنا وتعطينا النتائج.

أسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن يلهمنا رشدنا ، ويتولى أمرنا ، وينصرنا على أعدائنا .

والله الهادي إلى سواء السبيل .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...
حدث خطأ في هذه الأداة