02‏/04‏/2011

الديمقراطية..الصنم العصري للشيخ أبو يحي الليبي

تبرز من حين إلى حين آلهة تطغى على الناس ، وتكون لها الكبرياء والسيطرة المادية أو المعنوية على قطاع كبير من الخلق ، فطورا تكون تلك الآلهة متمثلة في قطع من الأحجار الصماء صنعتها ونحتتها أيدي عابديها ، وتارة تبرز وتتمثل في أشجار تملأ قلوب عبدتها خضوعا واستسلاما ومحبة ، وحينا ينال ذلك الوصفَ بشرٌ أو حزبٌ تنقاد له الجموع الغفيرة انقياد الأعمى لقائده .

ووراء هذه الآلهة كلها يكمن الإله الداعي إليها والمزين لها والمجمل لعبادتها في أعين الناس ألا وهو الشيطان والهوى ، قال الله تعالى {ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين} ، ويقول عن الهوى {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا ، أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} .

ولعظم شر الهوى وسوء عاقبة من استسلم له وانقاد لداعيته لم يرد ذكر الهوى في القرآن إلا على سبيل الذم ، وما ذلك إلا لأنه لا يقود متبعه المنساق وراءه والمستسلم له إلا لكل ما هو مذموم ، وليس ثمة ذم للمرء أعظم من أن يكون عابدا لغير الله مشركا بربه ومولاه ، وهذا مما يبين وهم من يحسب أن الإله المعبود الذي قد يشرك به مع الله لا بد أن يكون مجسما محسوسا ملموسا كالأشجار والأحجار والبشر والصور وغيرها ، بل إن الأمر المعنوي يمكن أن يصير إلها معبودا من دون الله أو معه تنقاد له القلوب وتستسلم الأفئدة وتنصب الحروب وتخضع الرقاب كما هو الحال في الهوى ، كما قال سبحانه : {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله} الآية.

وإذا أردنا أن ننظر في أحد أبرز الآلهة التي خضعت لها رقاب الكثيرين من الخلائق في هذا العصر سواء في ذلك كبراؤهم وصغارهم قادتهم وشعوبهم لتجلى ذلك في " الديمقراطية " ، التي تشربت حبها القلوب ، ولهجت بذكرها الألسن ، وتفاخرت بعبادتها والتدين بها الدول ، وجردت لأجل نيلها أو نشرها وتحكيمها الأسنة ، ونبذت بسبب نبذها شعوب ، واشتغلت بمدحها وتزيينها والدعوة إليها الأقلام والصحف ، وسخرت الإذاعات مسموعها ومرئيها ، وأنفقت نفائس الأموال وكرائمها ، هذا الإله الذي اغتر به كثير من المسلمين وصاروا من الدعاة إليه المتشبثين بنهجه مغترين في ذلك بدعاوى مزخرفة ، وصخب هائم ، وتيارات هائجة وشعارات زائفة ، أغرقتهم في وحل الديمقراطية الآسن ومستنقعه المنتن حتى المشاشة تحت دعاوى الحرية العدالة والمساواة.

إن الأمة الإسلامية وهي تتجرع غصص المرارة ، وتلعق موائد الأسى من جراء تسلط أنظمة ديكتاتورية متغطرسة ، شعارها ولسان حالها ينادي على الملأ عبر أبواقها {أنا ربكم الأعلى} ،و {ما علمت لكم من إله غيري} ،و {أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي} ، بقيت تبحث عن بصيص أمل تخرج به من متاهات الظلمات الحالكة التي أحدقت بها من كل جانب ، وتنجو من القمع والبطش والإذلال والقهر والتنكيل الممارس عليها من تلك الأنظمة بالغدو والآصال ، وتتمنى الحصول على أدني حقوقها المنهوبة ، ونيل شيء من كرامتها المسلوبة ، فغدا حالها كالغرِق الذي يبحث عن ما ينقذه ولو كان قشة تتقلب بها الأمواج .

فلما طال الأمد بالأمة واستحكمت حلقات الظلم عليها وبلغ منها الجهد والقهر أيما مبلغ ، ضاقت بحالها ذرعا وعادت تتلمس أقرب مخرج وأدني منفذ ينجيها مما هي فيه ، وتستنشق منه شيئا من نفس الحرية والأمن ، وفي ذات الوقت كانت الدعاية العالمية بمؤسساتها الإعلامية الضخمة قد أوصلت النظام الديمقراطي أعلى المراتب ، وأظهرته على أنه المنقذ الوحيد للبشرية من ضيمها والمخرج لها من اضطهادها ، والكفيل بإعطائها حقوقها كاملة غير منقوصة ، والضامن لنيل حرياتها والتسوية بينها من غير حيف ولا إجحاف .

زد على ذلك ما رأته هذه الشعوب من تطبيق هذا النظام وافتتان الأنظمة والشعوب التي تبنته وأقامته واعتنقته به هذا مع ما انضاف إلى ذلك من عدم إدراك المفاسد العظيمة التي تضمنها هذا النظام الأرضي ، ومع انهيار النظام الشيوعي الذي أطبق العقلاء على مصادمته للفطرة البشرية وفشله الذريع في البلدان التي حكمها كافة .

فبهذه العوامل وغيرها كثير اتجهت كثير من الشعوب الإسلامية نحو ذلك النظام طامحة في الحصول على ما سلبه منها الديكتاتوريون .

ووجد بعض الطغاة المارقون أن في هذا النظام متنفساً لامتصاص امتعاض شعوبهم التي يحكمونها وتخديرها وشلها وأمن جانبها عن الثورة ضدهم ، فأظهروا انتماءهم لدعاته ومنظريه بل وللحاكمين به ، فأخذوا ذلك النظام بحذافيره من أهل الغرب المتهالك وسلكوا نهجهم حذو القذة بالقذة إلا أنهم اكتفوا فيه بالمظاهر واقتصروا على الظواهر ، وبقوا على حقائقهم وفي واقع أمرهم منتهجين سياسة {ما علمت لكم من إله غيري} ، وجعلوا دعاوى الانتماء لهذا النظام عصا غليظة ومقامع تطرق من أراد تغيير تلك الأنظمة بطرق تتناقض وهذا النظام واعتبر الخروج عن هذا النهج حجة دامغة تكفي للإدانة وإنزال أشد العقوبات وأنكاها بصاحبه.

ولو وقف الأمر عند تبني تلك الأنظمة الديكتاتورية لمسلك الديمقراطية ـ ولو ظاهرا ـ والتمسح بمسوحه ، وتقمص ألبسته ، لهان الخطب والمصاب ، فهم بذلك لم يزيدوا على أن ينتقلوا من كفر إلى كفر آخر ، ومن ظلمة إلى ظلمة .

ولكن ما يدمي القلب ويعد مصيبة حقيقة تستحق الوقوف عليها والتمعن فيها ، هو تبني بعض الحركات الإسلامية للمسلك الديمقراطي ظاهرا وباطنا واعتناقها له قلبا وقالبا ، بل والدعوة إليه والانتصاب للدفاع عنه ، والحث على سلوكه واعتباره الطريق أو القناة الشرعية الوحيدة التي يمكن من خلالها نيل بغيتنا ، والوصول إلى مقصدنا ، ومن ذلك إقامة دولة الإسلام على منهاج النبوة ، بل فوق ذلك التشنيع على من خرج عن هذه القناة " الشرعية " ونعته بأشد الألفاظ وأقساها والتبرؤ منه ، وأصحاب هذا المنهج لا يخفون ذلك أو يسرون به ، بل ينادون به جهارا نهارا ويبثونه وينشرونه عبر الإذاعات والصحف والجرائد في مقالاتهم ولقاءاتهم مما ساعد في انتشار هذا التوجه وتغلغله في قلوب الناس واقتناعهم به.

إننا إذ نقول هذا الكلام لا نرمي به جزافا ، ولا نقوله حدسا ، ولا نسطره تخمينا ، ولكنه الحقيقة المرة الأليمة التي استمرأتها النفوس فلم تعد عندها بذاك المنكر الذي يعبأ به أحد ، ولا بتلك البشاعة التي تنفر عنها وتبتعد منها ، وإنه والله - لو يعلمون - عظيم فهو أول ما يكون مسخ وتشويه لدين الله تعالى كلية .

وهو استبدال دين جديد بدين الله سبحانه وتعالى بكل ما تعني هذه الكلمة وتحمله من الدلائل ، {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } .
وهو انبطاح واستسلام وخضوع وخنوع أمام هجمة الكفر الشرسة على شرع الله تعالى .
وهو تفلت من التكاليف وتنصل من الأعباء وتخل عن المبادئ والأصول بصورة مقيتة مهينة ، ومن ثم التفات إلى الدعة وبحث عن الراحة والركون للظالمين وارتماء تحت أقدامهم وعلى أعتابهم والتملق لهم لنيل رضاهم وكسب مودتهم .
وهو تهوين لعظائم الأمور وكبار المسائل المبتوتة التي لم تكن يوما مـا مجالا للنقاش والجدل وإضعاف لها في قلوب الناس ، فأصبح الإسلام بقضاياه الكبرى ومسائله العظيمة غرضا لألسنة التافهين ممن تقمصوا للنيل منه أثوابا شتى " كالمفكرين والمحللين والمجددين " وغيرهم .
وهو تمييع للثوابت والعقائد والقطعيات وتمطيط لها لتوافق مجسم الديمقراطية الخبيث .
وهو فتح لباب الزندقة والإلحاد والمجون الخلاعة والفساد والإفساد وجعله جنبا إلى جنب مع دين التوحيد والنقاء والعفة والطهارة والصلاح والإصلاح .
وهو إعطاء للمسوغات والمبررات لما يقوم به كل ضال مضل أو علماني قذر أو شيوعي ملحد إذ العباءة تسع الجميع والكل فيها سواسية والحقوق مكفولة فلا فضل لمسلم على شيوعي أو نصراني أو يهودي أو علماني إلا بالقرب والولاء والالتزام بالنظام الديمقراطي .
وهو إلغاء وإزالة تامة للحدود والفواصل الواضحة الجلية بين سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين والتي جاء الإسلام ببيانها وإيضاحها والتحذير من خلطها وإدماجها .
وهو إماتة تامة لعقيدة الولاء والبراء والحب والبغض التي هي أوثق عرى الإيمان .

أليس هذا كله وزيادة هو حقيقة ما تدعو إليه الديمقراطية وتؤدي إليه مهما حاولنا أن نظهر محاسنها وننمق ثوبها ونجمل وجهها العبوس أمام الناس .

وأين أين دين الله الواضح الجلي الظاهر البين الساطع اللامع من هذه الترهات والظلمات الحالكات والدهاليز الملتوية ؟
وإلا فما هو موقع الولاء والبراء والحب والبغض في النظام الديمقراطي ؟
ما هو موقع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان في النظام الديمقراطي ؟
ما هو موقع إقامة الحدود وعلى رأسها حد الردة في النظام الديمقراطي ؟
ما هو موقع إقامة أحكام أهل الذمة بدءا بضرب الجزية وانتهاء بالشروط العمرية التي اتفق عليها العلماء؟
ما هو موقع القتال في سبيل الله بشقيه الطلبي والدفاعي في النظام الديمقراطي؟

وإذا كنا نقر بكل ما جاء من طرف هذا النظام ونمدحه ونثني عليه وندعو إليه وندعي مع ذلك كله أنه والإسلام لا يختلفان ولا يتنافران أو يتنافيان فإلى أي شيء ندعو الناس؟
ولماذا نبذل جهودنا في غير طائل ، ونضيع أوقاتنا دون مبالاة ، ونهدر طاقاتنا ونحن أحوج ما نكون إليها ، ونجري لاهثين وراء سراب لا ينتهي؟
لماذا لا نكون صريحين مع أنفسنا مستشعرين للأمانة العظمى المتمثلة في الحفاظ على نقاء وصفاء وتميز الدين الإسلامي بعقيدته وعباداته وشرائعه وشعائره ووسائله ومقاصده دون خلط أو لبس؟

أترى من قبل بهذا النظام وارتضاه له منهاجا هل أبقى لدينه الذي يدعو إليه شيئا ؟!

إن مما هو معروف لدى كل مسلم أن الغايات لا تبرر الوسائل ولا تجعل الباب مفتوحا للوصول إليها بأي سبيل كانت ، بل إن الشارع كما جعل المقاصد والغايات مصونة ومميزة لا تقبل التشويه والتحريف والخدش ، فكذلك السبل والوسائل الموصلة إليها لا تحتمل التشويه والتحريف والخدش بل هي مصونة مميزة ولها العناية الشرعية التامة المكافئة للعناية بالغايات .

وإن من أعظم ما حرص الإسلام على بقاء صفائه ونقائه وتميزه ، هو شخصية هذا الدين وقبوله كما أنزل بأوامره وزواجره وحدوده وقواعده بعيدا عن التمييع والتشويه والغلو والإفراط والتفريط ، والحفاظ عليه من أن يَفرُط إليه وصم أو يلحقه ويلجه ما ليس منه ، وهذا ما جاء مؤكدا في كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ، قال الله تعالى : {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون خبير} وقال سبحانه : {واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين} ، وقال سبحانه {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} ، وقال سبحانه {فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم} ، وقال جل من قائل: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون} وقال سبحانه {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} ، وغيرها من الآيات الكثيرة الدالة على ذلك .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)).
وقال عليه الصلاة والسلام: ((فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة)) ونحو ذلك من الأحاديث .

والمقصود من ذلك أننا وفي غمرة السعي الدءوب لإقامة دولة للإسلام أفرادا وجماعات ينبغي أن لا نغفل عن هذه القضية الكبيرة ، حيث يصبح حالنا كمن يهدم ما يبنيه بيديه ، ويفسد ما يريد إصلاحه وتغدو أقوالنا تدعو الناس للتمسك بالإسلام وتعاليمه وسلوكه وقيمه وعقائده في الوقت الذي تكذب أفعالنا ما نقول وتعطي الناس صورة مغايرة بل مضادة لما تطبعه وتقرره أقوالنا في أذهانهم ، فكيف إذا اجتمعت أقوالنا وأعمالنا واعتضدت على الدعوة إلى مناهج أرضية ونظم جاهلية ما أنزل الله بها من سلطان ، بل هي من خالص ما أوحاه الشيطان إلى أوليائه لا شك أن الطامة عندها ستكون أكبر والمآلات السيئة أخطر.

ثم إن محاولة إظهار الدخول " للمسرح " الديمقراطي والمشاركة في " لعبتها " بأنه مجرد استغلال واستفادة من هامش الحريات التي يقررها هذا النظام ، مع زعم الحفاظ على تميز الإسلام وشخصيته المستقلة لَهُوَ ضرب من العبث ونوع من الاستخفاف بعقول الناس ومخادعة مكشوفة للأنفس ، إذ إن الواقع العملي والقولي ممن خاضوا غمارها من الإسلاميين يدل على خلاف ذلك تماما فلم يعد غريبا أن تسمع من يقول منهم : أنا لست ضد الديمقراطية ، أو أنا مع الديمقراطية بكل أبعادها ، أو إن الديمقراطية هي السبيل أو القناة الشرعية التي نتحصل من خلالها على الحقوق المهضومة والمسلوبة ، أو أنا مع التعددية المطلقة ، أو أنا ضد من يحارب النظام الديمقراطي.. إلخ ، وهذا على صعيد التصريحات والأقوال .
أما في جانب الأفعال فثمة ما هو أشد وأدهى وأمر وأنكى مما لا يحتاج إلى إثبات وبيان لظهوره وشيوعه ، فالواقع أفصح بيانا وأبلغ لسانا.

نعم .. جاءت الديمقراطية بشعار " حرية العقيدة " بكل ما تحمله هذه الكلمة من المعاني المطلقة من كل قيد والسائرة في كل درب فنادى المغرمون بها – من الإسلاميين - وهم في هيام الإعجاب ببهرجتها وعلو صخب دعاتها وذويها : أيها الديمقراطيون لم تأتوا بجديد ، فإن حرية العقيدة مما سبقكم إليه دين الإسلام ، فهي من مقرراته وآدابه وأصوله والدليل : {لا إكراه في الدين} ، إذاً وكما يريد الإسلاميون الديمقراطيون ـ هذا قاسم مشترك بين الديمقراطية والإسلام فلم الإنكار والتشهير.

إن من يكون له أدنى إلمام ببدهيات الإسلام ومسلماته يعلم علم اليقين أن " حرية الاعتقاد " بالمفهوم الذي تدعو إليه الديمقراطية وتجعله مبدأ من مبادئها ويعد أصلا لا ينفك عنها ، يصطدم اصطداما كليا ويضاد مضادة تامة أصولَ الإسلام وقواعده جملة وتفصيلا فضلا عن أن يكون جزءا منه أو من مقرراته التي يدعو إليها .

وأول ما تصطدم به وتناقضه " حد الردة " ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث صحيح صريح : ((من بدل دينه فاقتلوه)) رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه ، وهذا ما أجمع عليه العلماء من الصحابة ومن بعدهم وقرروه قولا وعملا ، وإنما خالف من خالف في المرأة المرتدة مع أن الأدلة مع من سوَّاها بالرجل لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ((أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فان عاد وإلا فاضرب عنقه ، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فان عادت وإلا فاضرب عنقها ))، قال الحافظ في الفتح : (وسنده حسن)، فالمقرر في شريعة الإسلام أن من ارتد عن دين الله تعالى إلى أي دين كان سواء صار يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا أو وثنيا أو شيوعيا أو علمانيا فليس له إلا الرجوع إلى الإسلام أو القتل مهما تدثر بثار الفكر والحرية والتجديد والنضوج والحضارة إلى آخر القائمة المعاصرة التي بها هدم الإسلام ومزقته السهام .

فهل يمكن أن يتفق هذا الحكم الصريح المجمع عليه مع معنى " حرية الاعتقاد " الذي تقرره الديمقراطية بأي وجه من أوجه الاتفاق ، والذي طالما يريد الديمقراطيون أن يجعلوه من شريعة الإسلام المستقرة المقررة بحجة {لا إكراه في الدين} ؟!

فالديمقراطية تقول لمن أراد أن يكون شيوعيا ملحدا ، لك ذلك وكن ما شئت فلا حساب ولا عقاب ، والإسلام يقول مخاطبا المسلمين : ((من بدل دينه فاقتلوه)) .
والديمقراطية تقول لمن شاء أن يصير يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا أو متحللا من كل دين : لك ذلك ولا تثريب عليك ولا حرج ، والإسلام يقول للمؤمنين به السالكين سبيله: ((من بدل دينه فاقتلوه)) .
بل تزيد الديمقراطية لكل أولئك : أدع إن شئت إلى شيوعيتك أو يهوديتك أو نصرانيتك أومجوسيتك أوعلمانيتك أوإباحيتك فحقوقك مضمونة وحريتك محمية مصونة بموجب هذا النظام ، والإسلام يقول بصوت عال صريح فصيح : ((من بدل دينه فاقتلوه)) ، ويقول : ((من رأى منكم منكرا فلغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن فلم يستطع فبقلبه وهو أضعف الإيمان)).
فكيف بعد هذا كله يلتقيان ، وعند أي نقطة وفي أي طريق يجتمعان؟

وأين " حرية الاعتقاد " التي تدعو إليها الديمقراطية من قول الله سبحانه {لا إكراه في الدين} والذي يعلم كل مسلم بما يقرأه من سير التاريخ ويعلمه من بدهيات الشرع أن هذا المعنى لا يمكن أن يكون بحال من معاني هذه الآية ، فما لنا ندع المحكمات الواضحات من الآيات البينات ونحاول أن نستخرج أحكاما ننسبها للشرع وهي أقرب ما تكون إلى الخزعبلات والأوهام.

سارت مشرقةً وسِرتَ مغرباً شتّان بين مشرِّقٍ ومغـربِ

ولهذا لما رأى بعض شيوخ الديمقراطية هذا التضاد الجلي والتصادم الواضح بين " حرية الاعتقاد " حسب المفهوم الديمقراطي ، وبين وجوب إقامة حد الردة في دين الله ، ذهب يبحث ويتحسس عن الأقوايل والمذاهب الشاذة والمغمورة لبعض العلماء ليتمكن بها من التلفيق بين دين الله تعالى وسبيله من جهة وبين الطريق والمفهوم الديمقراطي من جهة أخرى ، ولو أدى ذلك إلى التخلي عن الأحاديث الصحيحة الصريحة ومخالفتها ومخالفة إجماع الصحابة والعلماء وتخطئتهم .

ولم يكن ذلك عن استنباط منضبط واجتهاد صحيح واتباع للقواعد الأصولية المعروفة ولا نظر قويم في الأدلة الشرعية ، ولكن كان استسلاماً وانهزاماً وتراجعاً أمام الهجمة الشرسة للثقافة الغربية ، وإرضاء للديمقراطيين ونزولا عند رغباتهم بأي وسيلة كانت وإقناعا لهم بأن المفهوم الديمقراطي المنتشر والشائع لحرية الاعتقاد هو عينه المفهوم الإسلامي الأصيل!!

إن حرية الاعتقاد التي تدعو إليها الديمقراطية لسان حالها وربما مقالها يقول جهارا نهارا لأبي بكر الصديق والصحابة أجمعين بل وقبلهم للنبي صلى الله عليه وسلم : لم هذا العنف وهذا التطرف ؟ وعلام تصادرون حقوق الآخرين وتهضمون أراءهم وتكبلون حرياتهم ؟ ولماذا تكرهون الناس على عقيدة لا يريدونها وتلزمونهم بشريعة لا يرغبون في اتباعها ؟ لقد كان عليكم – وفق النظام الديمقراطي المتحضر! – أن تفسحوا المجال لحزب مسيلمة الكذاب ، وحزب طليحة الأسدي وحزب سجاح ليبينوا برامحهم وتقبلوهم كمعارضة في دولتكم ويرشحوا أنفسهم للرئاسة جنبا إلى جنب مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه ويعرضوا خططهم وبرامجهم ويظهروا عقائدهم للناس الذين لهم القول الفصل في اتباع من شاءوا واختيار من أرادوا بعيدا عن سفك الدماء وعن إهدار النفوس وعن بذل كل تلك الطاقات والجهود والتضحيات والجراحات !!

هذا هو منطق الديمقراطية وتلك هي دعوتها ، ألا بعدا بعدا لهذه الحرية وسحقا سحقا لذلك الدين الأرضي الخبيث.

نعم .. جاءت الديمقراطية قائلة لنا إن الناس تحت نظامها وعباءتها سواسية ما داموا منضبطين بقواعدها ومحترمين لأنظمتها ومستمسكين بقوانينها ، سواء في ذلك المؤمن والكافر ، والصادق والمنافق ، والموحد والملحد ، والصديق والزنديق ، والمغضوب عليهم الضالون والمتقون المهتدون ، ولكنا وجدنا كتاب الله الناطق بالحق الداعي إلى الهدى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم خبير يقول لنا: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون} ، ويقول : {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} ، ويقول :{أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} ، ويقول : {أفمن وعدناه منا وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين} ، ويقول :{أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون}، ويقول :{أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ، قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب} ، ويقول : {وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون} ، ويقول:{أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} ، ويقول:{أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم}، ويقول:{لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون} ، فأين هذا مما تدعو إليه الديمقراطية وتجعله أصلا من أصولها التي لا تقبل التحوير ولا التغيير؟

فلما ولج بعض الإسلاميين حلبة الديمقراطية وخاضوا غمارها ودخلوا لعبتها ووجدوا هذا الأصل الأصيل مرتكزا من مرتكزاتها بمفهوم واضح ومحدد وأنه ليس محلا للنقاش فضلا عن الإلغاء ، لم يجدوا بدا من البحث والتنقيب عن ما يسايرون به مفهومها من شريعة الإسلام ، ولكن أنى لهم هذا وصريح الآيات المذكورة آنفا يناقض هذا المفهوم ويضاده من كل الوجوه جملة وتفصيلا وهنا وقع الحرج بين اختيار النهج الديمقراطي كما هو بمفهومه ومن ثم طرح كل ما تدل عليه تلك الآيات ، أو قبول هذه الآيات بدلالاتها الواضحة الجلية ومن ثم التبرؤ من المسلك الديمقراطي وكشف حقيقته وبيان مصادمته لدين الله تعالى وأنه لا وجه لالتقائهما بأي حال من الأحوال .

وللأسف – ونقولها بمرارة- إن كثيرا منهم راح يلوك العبارات الممجوجة غير مكترث بشيء من تلك الأدلة مسويا بين النصارى والمسلمين لهم ما لهم وعليهم ما عليهم ، وصار النصارى – حسب عباراتهم – إخوانا لهم في الوطنية ، بل وجعل حق الترشح للرئاسة مشروعا لكل من هب ودب – ما دام محترما للمشروع الديمقراطي- بدءا من المسلم التقي وانتهاء بالشيوعي الملحد ، وعاد الأمر والقول الفصل في ذلك إلى الشعب ونسي قوله تعالى {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} وخالف الإجماع المنعقد على عدم ولاية الكافر على المسلم في أي شيء .

أما عن الشروط العمرية المعروفة والمجمع عليها على الجملة والمتعلقة بأهل الذمة ، فلم يكن ثمة أهون من تحويرها بل ردها وجعلها اجتهادا خاصا في زمن خاص لظروف خاصة وكأنهم لم يقرءوا {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} ، فانحسرت بل اندثرت بذلك أوثق عرى الإيمان ، وألغيت عقيدة الولاء والبراء ، فظهر فساد كبير وشر مستطير مصداقا لقول الله تعالى :{والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} .

فهل يعي الديمقراطيون مدى الكارثة والطامة والداهية التي يجرونها إلى أمتهم بذلك ، وكيف تصير الديمقراطية التي تدعو لتلك التسوية المطلقة من دين الله تعالى ، ألا يكفي لنبذها أن تصبح القضايا المسلمة والقطعية في شريعتنا موضع نقاش وأخذ ورد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...
حدث خطأ في هذه الأداة