29‏/04‏/2011

وما النصر إلا من عند الله

بسم الله الرحمن الرحيم

لقد كانت الأحداث التي صاحبت معركة "أحد" دليلا عمليا على أن سنة الله في النصر والهزيمة ليست بتلك البساطة التي قد يظنها البعض، والتي غالبا ما تختزل المسألة في استحقاق النصر الإلهي لمجرد الانتماء الإسلامي. فهذا غبش في التصور يجب أن يصحح، وسذاجة في الفكر يجب أن تعالج. لأن الله – سبحانه – إنما خلق الحياة مضبوطة بنظام سنني لتترتب فيه النتائج تبعا لمقدماتها المناسبة، مما يعني أن يكون النصر مرتبطا بتوافر مقتضياته في النفوس المجاهدة وفي البناء التنظيمي وفي التحرك الميداني، فيكون نتيجة معقولة للأخذ بكل المستطاع من الأسباب التي يتيحها الواقع، كما أوضحنا ذلك في المقالات السابقة.

ولكن حتى لا يجنح البعض إلى "التطرف" فيعظم الأسباب أكثر مما تستحق أو يتجاوز بها إطارها المحدد، فإننا نثير في هذا المقال الدرس المستفاد من معركة "حنين". وهي المعركة التي كانت فيها أدوات النصر متوفرة – بشكل جيد – للجماعة المسلمة ورغم ذلك لم يتحقق النصر، {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً}[التوبة:25]، وكادت أن تُختتم المعركة بالهزيمة لولا أن الله تدخل لإنقاذ الموقف، {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا}[التوبة:26]. مما يعني خطأ وخطورةَ تلك النظرة التي تتعلق قلبيا بعالم الأسباب أو تتعامل معها وكأنها فاعلة بذاتها في تحديد نتيجة المعركة.

فمع الإقرار بأهمية الأدوات والآليات ومع التشديد على ضرورة وجودها لبلوغ النصر فإن القرآن لا يدع المسلمين يفهمون أن هناك سبباً ينشئ النتيجة بذاته، أبداً، إنما يرد الأمر كله إلى الله، ليستقر في الأعماق الفكرية والنفسية للمسلم أن الله هو الناصر وليس الأدوات والآليات، مهما كانت كثيرة ومتوافرة، فالله هو الذي أذن للأسباب التي أُعمِلت أن تؤثر وأذن للنتائج أن تترتب عليها، والله هو الذي خذل الكافرين وأضعف تأثير أعمالهم وأفشل تدبيرهم، {ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ}[الأنفال:18]، والله هو الذي أيّد المسلمين وساعدهم على بلوغ الهدف، إما في صورة تسديدٍ للعمل وتوجيهه نحو استجماع عناصر الفعالية، وإما في صورة إرسال الجند الأخفياء الذين يدخلون الحرب إلى جانب المسلمين، وإما بهما معاً، {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ}[الأنفال:9].

بل – وحرصا على الصفاء العقدي – ينبه اللهُ على أن هذا المدد الذي أيدهم به ما هو إلاّ وسيلة للاستبشار والاطمئنان إلى وعده، {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ}[آل عمران:126]، أما النصر فإنما يرجع إلى إرادته، وإلى قدره وحده، وليس إلى شيء سواه، {وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}[آل عمران:126]. كل ذلك لكي لا يظن المسلم أن الأسباب فاعلة بذاتها، فيتعلق قلبه بعالم الأسباب عوض التعلق بالله، ويَضمُر استشعاره لطلاقة القدرة الربانية وفاعليتها الكاملة في الكون، مما يؤثر على حقيقة تدينه من جهة، ويفقده النظرة الصحيحة للقوانين التي تحكم حركة الحياة من جهة أخرى.

{وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}، عقيدة تعلمنا أن لا نطلب النصر إلاّ من الله، لأنها تزرع فينا روح التحرر من ربقة الانهزام التي تعلق قلوبنا بالخلق، ومن تم تدفعنا إلى الاستعلاء عن الارتهان لهذه القوة أو تلك، لأن حالة الارتهان ترسخ واقع الضعف وتجعلنا ألعوبة في يد الآخرين، في حين أننا أمة أخرجت بعناية ربانية لتقود لا لتكون تابعا ذليلا يدور في فلك الغير، مهما كان هذا الغير، فما بالك إذا كان عدوا. إذن فإن يكن من أحد يجب أن نتوجه إليه لاستجلاب النصر فهو الله، قال تعالى: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ}[آل عمران:160].
كما أن عقيدة {وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ}، تحررنا من ربقة النظرة السطحية للحياة، النظرة التي تتعامل مع القوانين الكونية وكأنها مستقلة عن إرادة الله، أو تصورها وكأنها فاعلة بذاتها لا بإذن الله، فيقع القلب في حبائل الأدوات المحدودة، ويحال بينه وبين الفاعل الحقيقي وهو الله.

فرغم أن الكثرة – مثلا – مؤثرة في النتيجة التي يمكن أن تسفر عنها المعركة، لأن الجانب العددي له حضوره الكبير في مفهوم القوة، إلاّ أنه من الخطأ الفادح بل من الشرك بالله أن نصل إلى الحد الذي نركن معه إلى الكثرة أو نتصور وكأنها فاعلة بذاتها في تحديد النتيجة.

يجب أن يستيقن المسلمون أنهم – مهما كانت عدتهم – إنما ينصرون بنصر الله لهم، لأنهم مهما اتخذوا من الأسباب فإنها تبقى – في حقيقة الأمر – قاصرة عن الإحاطة بكل العوامل المؤثرة في تحقق النتيجة، قال تعالى: {وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا}[الفتح:21]، ومن تم لابد أن يرد الأمر كله إلى مشيئة الله، ولابد أن يتعلق القلب بإرادة الله، فهي التي عنها تصدر الأشياء والأحداث، {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}[الأنفال:17].

هذه هي الحقيقة التي حرص القرآن الكريم على تقريرها في التصور الإسلامي، وعلى ترسيخها في أعماق النفس المسلمة، واعتنى كثيرا ببقائها نقية صافية من كل شائبة.. لتبقى الصلة بين العبد والرب مباشرة، بلا حواجز ولا عوائق ولا وسائط، وإنما ترد الأمور كلها إلى إرادة الله، بحيث تنحى من قاعدة التصور والإحساس فاعلية الأسباب بذاتها، ويرد الأمر كله إلى مشيئة الله، {إِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ}[هود:123].

ومن شأن هذه الحقيقة حين تستقر في التصور وفي النفوس أن تسكب في القلب الطمأنينة، وأن تولد عند المسلم الاستقرار النفسي، بحيث يسكن (من السكينة) اتجاه الفواعل والأسباب الظاهرة لأنه يستقين أنها لا تؤثر إلاّ بإذن الله، ومن تم يتعامل معها على أنها أدوات وآليات توظف وليس آلهة تعبد، وأن النصر إنما يكون من الله.

لكن، من المهم جدا أن نعلم كذلك أن الإيمان بهذه الحقيقة لا يعني – بأي حال من الأحوال – الدعوة إلى ترك الأسباب، ولا يعفي المسلمين – بأي شكل من الأشكال – من اتخاذ الوسائل الكفيلة بتحقيق النصر، أولاً لأن الأخذ بالأسباب تكليف رباني، به نحقق مفهوم العبادة لله، وبه نجسد معنى التدين في ميدان الحركة، ومنها حركتنا نحو النصر. وثانياً لأن هذه الأسباب تعد بمثابة المقدمات الضرورية لاستحقاق نزول النصر من الله، وكأنها "شروط" في وجوده. مما يعني أن انتظار النصر الإلهي مع إهمال الأخذ بالمتاح منها لا يعدو أن يكون تواكلا صوفيا لا يستحق أهله إلاّ الهزيمة!!

إن التصور الإسلامي يتسم بالتوازن الكامل بين تقرير الفاعلية المطلقة لقدر الله وتحقق هذا القدر في الحياة من خلال الفعل الإنساني.. نعم سنة الله تجري بترتيب النتائج على مقدماتها المناسبة، وهذا ما ندعو – باستمرار – إلى استحضاره وملاحظته وإعماله، ولكن الأسباب ليست هي التي "تنشئ" النتائج.

أو بعبارة أخرى ليست فاعلة بذاتها، فالفاعل المؤثر هو الله، هو الذي يرتب النتائج على الأسباب بإرادته.. ومن ثم فإن المطلوب من الإنسان هو أن يؤدي واجبه، بحيث يبذل جهده في الأخذ بالأسباب استجابة للأمر الشرعي، فبقدْر ما يوفي بذلك يرتب الله النتائج على مقدماتها.. لأنه هو وحده الذي يأذن لها بالوجود حين يشاء، وكيفما يشاء.. هكذا يتحقق التوازن بين تصور المسلم وعمله، فهو يعمل ويبذل جهده، ولكنه يتعلق في نتيجة عمله بمشيئة الله..

لقد جاءت "حنين" لتقرر فاعلية الإرادة الربانية في حركة الخلق، وأنه لا حتمية بين النتائج والمقدمات، وإنما مرد الأمر كله إلى الله، وبذلك تكون قد عملت على إرجاع التوازن إلى بعض النفوس التي صدمتها الهزيمة في "أحد" فغلّبت – على إثر ذلك – منطق الاطمئنان إلى الأسباب، حيث تسرب إليها العجب بالكثرة، أي أن "حنين" جاءت لتعيد الحق إلى نصابه، بحيث ترتفع بالتصور الإسلامي عن المادية التي تغفل إرادة الله، كما ارتفعت به "أحد" من قبل عن التواكلية التي تهمل الأسباب.. إنه التوازن العجيب الذي تنفرد به الرؤية الإيمانية للحياة !!

ويتولد عن هذا التوازن في الرؤية توازن في الحركة، بحيث تكون المناهج والبرامج الحركية مستحضرة للأمرين معاً، مستحضرة لوجوب الأخذ بكل المتاح من الأسباب ومستحضرة كذلك لوجوب التعلق الكامل بالمسبِّب الحقيقي وهو الله، أي أنه منهج يجمع بين الإيمان بفاعلية الله المطلقة والإيمان بأهمية الأخذ بالأسباب..

وكأثر لهذه التوازن فإن أهم الملامح البارزة في هذا المنهج هي أنه يحمل ما يمكن أن نطلق عليه "روح المغامرة المدروسة"!! فالاطمئنان إلى كون النصر بيد الله يغرس عند المسلم نفسية الإقدام، أو على حد التعبير النبوي في أفضل الأعمال: (رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ)[البخاري]، لأن هذه النفسية ترفع عن المسلم أغلال التهيب الذي يكبل الإرادة ويضيق مجال التحرك ويقلل مساحات الفعل.

لكن مع هذا فإن الإيمان بأهمية الأسباب يلح عليه باستفراغ الوسع في اكتساب وتفعيل كل الأدوات والإمكانيات المتاحة، لأنها العناصر المشكلة لمقومات القدرة على الفعل.. ومن تم ينشأ التوازن بين العقيدة والحركة.
على هذا التوازن تربى الجيل الأول من المسلمين، عرفوا أن الله - وحده - هو الفاعل في تحقق النصر، لكنهم عرفوا – في الوقت نفسه – أنهم مأمورون من قِبل الله باتخاذ الوسائل وبذل الجهد والوفاء بالتكاليف.. فاستيقنوا الحقيقة، وأطاعوا الأمر، في توازن شعوري وحركي عجيب! يصعب جدا أن يدركه الناس إلاّ إذا ساروا على الطريق.. طريق التوازن.. التوازن في الرؤية، والتوازن في الشعور، والتوازن في الحركة.

وقد يسهل – ولا شك – على الناس أن يدّعوا لأنفسهم هذا التوازن، ولكنه في الحقيقة صعب التحقيق، نعم صعب التحقيق، ويكفي أن نعلم أنه تطلب من الجيل الأول "المغامرة" على خوض "بدر" التي كانت فيها كفة موازين القوى مائلة بشكل ملحوظ لصالح العدو، والدرسَ القاسي في "أحد"، ثم "حنين" التوازن.

باختصار:

إنه نتيجة لعملية تربوية متكاملة، تجمع بين التوجيه النظري والممارسة الميدانية، ولا تهمل واحدة على حساب أخرى، وإنما تعمل بهما معاً، في خط سير حركي يأخذ الإسلام كله، ولا يؤمن ببعض الكتاب دون بعض، يصلي ويصوم ويدعو ويجاهد... إلخ، فإنما يدرك التوازن من خلال السير وفق منهج الله.
عن مجلة الأنصار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...
حدث خطأ في هذه الأداة