19‏/05‏/2011

لماذا "عمر المختار"!؟

إن قولنا بأن "عمر المختار" هو رمز ليبيا ورمز حركة الجهاد الوطني لا يعني أننا – في المقابل - نقلل من شأن وجهود المجاهدين الآخرين من كافة مناطق وقبائل ليبيا كما قال لي البعض!.. لا .. ليس هذا وارد بكل تأكيد ولا أحد يقول بهذا.. فقولنا أن "عمر المختار" رمز ليبيا ورمز حركة الجهاد ضد الطليان وقائد المقاومة المسلحة في زمانه إنما لأن "عمر المختار" ودوره في الجهاد والطريقة التي أستشهد بها أصبحت تجعل له "خصوصية" عن بقية المجاهدين والشهداء كلهم دون أن يقلل هذا من مكانة ودور وجهاد الآخرين سواء من كان منهم من زعماء وقادة الجهاد في المنطقة الغربية أو من زعماء الجهاد في الشرق أو الجنوب.. ومع ذلك ومن باب الموضوعية فإن للبطل الشهيد "عمر المختار" خصوصية في حياته وخصوصية في مماته .. فهو القائد والشهيد الذي تلقاه الليبيون والعرب والمسلمون بالتمجيد والإكبار بإعتباره رمز ليبيا ورمز التضحية في سبيل الدين والوطن فأينما ذكرت ليبيا بوجهها المشرق قيل لك : (أليس ذاك موطن عمر المختار؟) ولذلك وجدنا العرب - حتى قبل إنتاج فيلم عمر المختار- يسمون بعض شوارع بلدانهم بإسم عمر المختار كما في فلسطين والسودان ووجدنا كذلك الكثير من الشعراء والمثقفين العرب والمسلمين نعوا ورثوا الشهيد عمر المختار في وقت إستشهاده بقصائد ومقالات عديدة وعلى رأسهم الشاعر الكبير "أحمد شوقي"!.. فقد برز "عمر المختار " كبطل وشهيد عربي مسلم وليبي وأصبح أشهر من نار على علم في العالم العربي والإسلامي وبالتالي فهو أصلح من يكون رمزا ً لليبيا بالفعل ورمزا ً للحركة الوطنية الليبية وهذا ما كان بالفعل وأصبح واقعا لا يمكن تغييره.. مع العلم أن "عمر المختار" لم يكن زعيما ً لقبيلة أو لمدينة كما هو حال السيد "إدريس السنوسي" أو المجاهد "رمضان السويحلي" أو "سليمان الباروني" مثلا ً وغيرهم من زعماء المناطق والقبائل بل كان سيدي "عمر المختار" ليس سوى "معلم ومربي" بسيط في "زاوية" من زوايا الطريقة السنوسية ثم خاض حركة الجهاد ضمن إطار الحركة السنوسية في ذلك الوقت تحت قيادة المجاهد "أحمد الشريف السنوسي" أولا ً ثم تحت قيادة الأمير"إدريس السنوسي" . 
من وصية الملك الصالح لشعب ليبيا : "فالله الله مما يغضب الله، وتعاونوا على البر والتقوى ولاتعاونوا على الإثم والعدوان ولاتفرقوا ,قال [ (صلي الله عليه وسلم) : لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لكم]"
إن السيد الشهيد البطل "عمر المختار" لم يكن من قبيلة كبيرة من قبائل برقة بل هو من قبيلة "المنفه" الصغيرة بالقياس لحجم قبائل برقة الكبيرة حيث تدخل قبيلة "المنفة" ضمن قبائل "المرابطين" لا قبائل "السعادي" وتقسيم قبائل برقة قديما ً على هذا الأساس هو تقسيم قديم للقبائل في برقة له ملابساته التاريخية الخاصة حيث كانت السيادة عادة ً تكون لقبائل "السعادي" التي لا ينتمي إليها "عمر المختار" ومع ذلك دخل كافة المجاهدين من كل قبائل برقة تحت قيادته العسكرية الجهادية! .. ولم يكن "عمر المختار" شيخا ً لقبيلته أو زعيما ً لمنطقته بل إن إسمه لك يرتبط حتى بإسم قبيلته كما جرت العادة حيث إشتهر بإسمه هذا منذ البداية أي "عمر المختار" وليس "عمر المنفي"!!.. ومع ذلك – أي مع أنه لم يكن زعيما ً من زعماء المناطق أو القبائل - فقد أصبح هو قائد حركة الجهاد والمقاومة المسلحة في شرق ليبيا بلا منازع وبإعدامه وإستشهاده البطولي أصبح رمزا ً لكل حركة الجهاد والإستشهاد في ليبيا .. بل وبعد إعدامه توقفت حركة المقاومة المسلحة في ليبيا وإستتب الأمر للطليان حتى جاء وقت التحرير في خضم الحرب العالمية الثانية!.. فقد كان "عمر المختار" في ذلك الوقت يمثل هو ورفاقه من المجاهدين آخر معاقل المقاومة الليبية المسلحة ضد إيطاليا ومن ثم كان إعتقاله وإعدامه ضربة عميقة وشبه مميتة لحركة الكفاح المسلح في ليبيا مما يؤكد أنه كان هو "القائد" بالفعل لهذه الحركة في ذلك الوقت حيث بإستشهاده خبت شعلة الكفاح المسلح في ليبيا شرقا ً وغربا ً وجنوبا ً كلها وساد جو من الإحباط واليأس (!!) حتى قيض الله لليبيين الحرب العالمية الثانية وهزيمة إيطاليا في هذه الحرب وبالتالي إنتشار "مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها" مما ساهم في تحرير ليبيا وتوحيدها وإستقلالها في نهاية المطاف من خلال الكفاح الوطني السياسي في الساحة الدولية وعبر الأمم المتحدة بعد أن وضعت الحرب أوزارها .. وكان السيد إدريس السنوسي ونخبة من الزعماء الوطنيين الآخرين الذين إلتفوا حوله وإختاروه قائدا ً لهم قد خاضوا معركة الإتحاد والإستقلال حتى تمكنوا من إنتزاع إعتراف دولي بليبيا كدولة وأمة ذات سيادة رغم كل المؤامرات الدولية والمحلية.. فتحقق لليبيين الإتحاد والإستقلال وأصبح السيد إدريس السنوسي يمثل رمزا ً لهذا الإنجاز السياسي الكبير بينما ظل "عمر المختار" يمثل في حس كل الأجيال الرمز الخالد لحركة الجهاد الليبي بلا منازع .
لقد سعدت شخصيا ً كثيرا ً بعودة علم الإستقلال بعد كل تلك العقود من التزييف والتغريب والطمس لشخصيتنا الوطنية الأصيلة ليرفرف هذا العلم الذي يعبق برائحة التاريخ والمجد فوق أرض ليبيا كما أسعدني سعي السيد "محمد المختار" إبن الشهيد البطل ومجموعة من أخيار ليبيا إلى إستعادة ضريح شيخ الشهداء وإعادته إلى مكانه التاريخي المعروف بعد أن أزاله الطاغية "معمر القذافي" بقرار إنفرادي ومفاجئ غريب ومريب !.. فليظل هذا الضريح الرمز – عرين الأسد – شامخا ً شموخ الجبال وسط مدينة بنغازي – الشرارة الأولى لثورة 17 فبراير 2011 ومعقل الثوار – يذكر الأجيال بالمجد التليد ويثير المشاعر والذكريات الوطنية الغالية ويغرس في نفوسهم كل معاني الإباء والعزة والجهاد وينشر في نفوسهم روح الفداء والإستشهاد في سبيل الكرامة والدين والوطن.
سليم نصر الرقعي
كاتب ليبي يكتب من المنفى الإضطراري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...
حدث خطأ في هذه الأداة