24‏/05‏/2011

سلسلة تصحيح المفاهيم :العلمانية

انتشرتْ في الآونة الأخيرة الكثيرُ من المصطلحات ممَّن يَصفون أنفسهم بأنهم النُّخبة يُردِّدونها على مسامعِ الناس، وكثيرٌ منَّا يجهل معناها مِثل مصطلح: "دولة علمانية" أو "دولة مدنية" فالاثنتان سواء، فلا مشاحةَ في الاصطلاح، فهل تعرف ما هي العلمانية؟

العلمانية: هي ترجمة خاطئة لكلمة Secularism في الإنجليزية، أو Secularite بالفَرنسية، وهي كلمة لا صِلةَ لها بلفظ العِلم، ولكن الترجمة الصحيحة هي اللادِينيَّة أو الدُّنيوية.

واللادينية: هو اتِّجاه فِكري يرفض مرجعيةَ الدِّين في حياة الإنسان، ويؤمن بحقِّه في رسم حاضره ومستقبله واختيار مصيره بنفسه، دون وصايةِ دِين أو الالتزام بشريعةٍ دِينيَّة، وترى أنَّ النص الدِّيني هو مجرد نصٍّ بشري محض، لا ينطوي على قداسة خاصَّة، ولا يعبِّر عن الحقيقة المطلقة.

وتعريف آخر للعلمانية: هي فصلُ الدِّين والمعتقدات الدِّينية عن السياسة والحياة العامَّة.

ولكن هناك عدَّة عوامل ساعدتْ على ظهور هذا الفِكر الخبيث في البيئة الأوروبيَّة، منها:
1) الطغيان الدِّيني، ومنه:
الطغيان الكنسي: فمنذُ ظهور ما يُسمَّى المسيحية الرسميَّة في مجمع نيقية سنة 325م، والكنيسة تمارس الطغيانَ في أبشع صوره؛ فقد فرضت عقيدةَ التثليث قهرًا، وسفكتْ دماء الموحِّدين وأذاقتْهم العذاب، وحرَّفت الدِّيانة، فالختان كان حلالاً فأصبح حرامًا، وكانت الميتة محرَّمة فأصبحتْ مباحة، وكانت التماثيل شركًا ووثنية فأصبحت تعبيرًا عنِ التقوى، وكان زواج رجال الدِّين حلالاً فأصبح حرامًا! كذلك عززت الكنيسة سلطانَها الطاغي بادِّعاء حقوق لا يملكها إلا الله تعالى؛ مِثل: حق الغفران وحق الحِرمان، تغفر لمن تشاء وتمنحه سكًّا بالجنة وتحرم مَن تشاء مِن دخولها، وحقّ التحلة وهو الخروج عن تعليمِ الدِّين والتخلِّي عن الالتزام بها متى اقتضتْ مصلحتها ذلك، وحشدتِ الكنيسة جيوشًا جرارة لمحاربة مَن سوَّلت له نفسه مخالفةَ آرائها، أو اعتناق ما يُخالف عقيدتَها.

الطغيان السِّياسي: تحوَّل رجال الكنيسة إلى طواغيت ومحترِفين سياسيِّين، مع نبْذهم شريعةَ الله وإسقاطها مِن الحساب؛ لتحلَّ محلَّها شهوةٌ عارمة للتسلُّط، ورغبة شرِهة في الاستبداد والتدخُّل في شؤون الحكَّام بدون وجه حقٍّ.

الطغيان المالي: في الوقت الذي كانت الكنيسة تُزهِّد الناس في الدنيا كانتْ تمتلك كلَّ شيء تقريبًا، حتى كان دير "فلدا" يمتلك مثلاً خمسةَ عشرَ ألف قصْر صغير، وكان دير "سانت جول" يمتلك ألفين مِن الرقيق، وكان أحد رِجال الدِّين يمتلك عشرين ألفًا من أرقَّاء الأراضي، وأوقاف الكنيسة كانتْ تمتلك الكثيرَ مِن الأراضي الزراعيَّة، حتى أتى عليها وقت كانتْ تمتلك ثُلث أراضي إنجلترا، وتأخذ الضرائب الباهظةَ مِن باقي الأراضي.

2) الصِّراع بين الكنيسة والعِلم:
الكنيسة وقعتْ في خطأَينِ فادحين: الأول: تحريف حقائق الوحي الإلهي وخلْطها بكلام البشر، الثاني: فرْض الوصاية الطاغية على مَن ليس مِن اختصاصها؛ لذلك اضطهدتِ الكنيسةُ النظرياتِ العلميةَ حتى أحرقت جرادنو برونو سنة 1600 ميلادية؛ لمخالفته النظريةَ التي تبنتْها الكنيسة، وهي: أنَّ الأرض مركز الكون والأجرام السماوية كافَّة تدور حولَها، وتبنَّى هو عكسها، واضطهدتْ جاليليو لتبنِّيه نفسَ النظرية، ثم اضطهدتِ الكنيسة نيوتن الذي جاء بنظريةِ الجاذبية، التي تؤيِّد أقوال العلماء السابقين، وكفَّرت رئيسَ بلدية ألمانيا؛ لأنَّه اخترع غاز الاستصباح بحُجَّة أن الله خلق الليل ليلاً والنهار نهارًا، وهو باختراعه هذا يُريد تغيير مشيئةَ الخالق، فيجعل الليل نهارًا!

3) الثورة الفرنسية:
قامتِ الثورة الفَرنسيَّة بسببِ المجاعة والبؤس اللَّتَين كان يعيش فيهما الشعبُ الفرنسي، مع أنَّ هناك طائفتين منغمستين في النعيم، هما: طبقة رِجال الدين، وطبقة الأشراف اللذان تحالفَا معًا ضدَّ الشعب، وتمخَّضت الثورة عن نتائجَ بالغةِ الأهمية، فقد ولدتْ أوَّل مرة في تاريخ أوروبا المسيحيَّة دولة جمهوريَّة بدلاً مِن التقيُّد بالأخلاق الدِّينيَّة، وعلى دستور وضْعي بدلاً مِن قرارات الكنيسة الجائِرة.

هل هناك مبرر للعلمانية في العالَم الإسلامي؟
بعدَ معرفة الأسباب التي أدَّتْ إلى ظهور هذا الفِكر العفن في بلاد الغرْب النصراني، فهل هناك مبرِّر واحد لظهور هذا الفِكر في بلاد الإسلام؟

الإجابة بالقطع (لا)؛ لأنه إذا كانتِ الكنيسة حرَّفت الإنجيل، فإنَّ القرآن وحي الله لا يأتيه الباطلُ مِن بين يديه ولا مِن خلفه، ولا هو يمكن أن يُزاد فيه أو ينقص منه، وهو في الوقت نفسه لا يُحابي أحدًا، سواء كان حاكمًا أو محكومًا، فالكل أمام شريعته سواء، وهو أيضًا يحافظ على مصلحةِ الناس الحقيقيَّة، فليس فيه تشريعٌ واحد يخالف مصلحةَ البشرية، وهو أيضًا يحرِص على العلم ويحضُّ عليه، وليس هناك نصٌّ شرعي يعارض حقيقةً علمية واحدة، فالإسلام حقٌّ كلُّه، خيرٌ كلُّه، عدْل كلُّه، ومِن هنا فإنَّ كل الأفكار والمناهج التي ظهرتْ في الغرب بعدَ التنكُّر للدِّين والنفور منه، ما كان لها أن تجِد آذانًا تَسمع في بلاد المسلمين، لولا عمليات الغزو الفِكري المنظَّمة، والتي صادفتْ في الوقت نفِسِه قلوبًا مِن حقائق الإيمان خاوية، وعقولاً مِن التفكير الصحيح عاطِلة، ويتَّضح كذلك أنَّ العلمانية ردُّ فِعل خاطئ لدين محرَّف، وأوضاع خاطئة، وأنها نبات نكد، خرَج مِن تربة خبيثة، ونتاج سيِّئ لظروف غير طبيعيَّة.

صور العلمانية

للعلمانية صورتان، كل صورة منهما أقبحُ مِن الأخرى:
الصورة الأولى: العلمانيَّة الملحِدة: التي تُنكر وجودَ الله بالكلية، وتُنكر وجود الخالق البارئ المصوِّر، ولا تعترف بشيءٍ من ذلك، وتُحارِب وتُعادي مَن يدعو إلى مجرَّد الإيمان بوجودِ الله، وهذه الصورة لا شكَّ في كُفرها.

الصورة الثانية: العلمانية غير الملحِدة: التي لا تُنكر وجودَ الله وتؤمِن به إيمانًا نظريًّا فقط، ولكنَّها تُنكر تدخُّلَ الدِّين في شؤون الدنيا، وتنادي بعزْل الدين عن الدنيا، وهذه الصورة أشدُّ خطرًا مِن الصورة السابقة مِن حيث الاحتيال والتلبيس على عوامِّ المسلمين، فعدم إنكارها لوجود الله وعدم محاربتها للتديُّن يغطِّي على أكثر عوام المسلمين حقيقةَ هذه الدعوة الفِكرية، فلا يتبيَّنون ما فيها مِن الكفر لقلَّة عِلمهم ومعرفتهم بالدِّين الصحيح.

حكم الإسلام في العلمانية

لا شكَّ أنَّ العلمانية بصورتيها السابقتين كفرٌ بواح لا شكَّ فيها ولا ارتياب، وأنَّ مَن أتى بها فقدْ خرَج من دِين الإسلام - والعياذ بالله - وذلك لأنَّ الإسلامَ دينٌ شامل له في كلِّ جانب من جوانب الإنسان الرُّوحيَّة والسياسيَّة، والاقتصاديَّة والأخلاقيَّة والاجتماعيَّة - منهجٌ واضح وكامِل، ولا يقبل ولا يجيز أن يشاركَه فيها منهج آخَر؛ قال الله تعالى مبينًا وجوبَ الدخول في كلِّ مناهج الإسلام وتشريعاته: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ [البقرة: 208]، وقال - سبحانه وتعالى - مبينًا كُفرَ مَن أخذ ببعض مِن مناهج الإسلام ورفَض البعضَ الآخر، فقال - سبحانه وتعالى -: ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 85]، والأدلَّة الشرعيَّة كثيرة جدًّا في بيان كُفر وضلال مَن رفض شيئًا محقَّقًا معلومٌ أنه من دِين الإسلام، ولو كان هذا الشيء كثيرًا جدًّا، فكيف بمَن رفض الأخْذ بكل الأحكام الشرعيَّة المتعلِّقة بسياسةِ الدُّنيا مِن العلمانيِّين.

مَن فعَل ذلك فلا شكَّ في كُفره، وكذلك العلمانيُّون قدِ ارتكبوا ناقضًا مِن نواقض الإسلام يوم أنِ اعتقدوا أنَّ هدي غير النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أكْملُ مِن هَديه، وأنَّ حُكم غيره أفضل مِن حُكمه، ولا شكَّ في كُفر ذلك.

آثار العلمانية في العالَم الإسلامي:
تبديل حُكم الله - سبحانه وتعالى - وتحكيم الطاغوت، فأصبحتِ المحاكم القانونيَّة الوضعيَّة بدلَ المحاكم الشرعيَّة.

فساد التعليم في أكثرِ المجتمعات الإسلاميَّة، ومِن مظاهره تقليصُ المواد الشرعيَّة، ومنع تدريس النصوص التي تذكر أبناءَ المسلمين بعداوة اليهود والنَّصارى للإسلام وأهله، وطمْس عقيدة الولاء والبَراء في المناهِج، وانتشار المدارس الأجنبيَّة التنصيريَّة في بلادِ المسلمين.

ظهور الإباحيَّة والفوضى الأخلاقيَّة، وانتشار الجريمة بجميع صُورها.

التفكُّك الأُسري وارْتفاع نسبة الطلاق والخيانات الزوجيَّة وانتشار المخدِّرات.

الطعْن في حقيقةِ الإسلام والقرآن والنبوَّة، والزعم بأنَّ الإسلامَ استنفذ أغراضَه، وهي عبارة عن طقوس وشعائر دِينيَّة، والزعم بأنَّ الإسلام لا يتلاءَم مع الحضارة، ويدْعو إلى التخلُّف وتربية الأجْيال تربية لا دِينيَّة، والدعوة إلى تحريرِ المرأة وَفْق الأسلوب الغربي.

وعلى الرغم مِن أنَّ واقعنا الإسلامي لا صِلة له بالنموذج المدَني الأوروبي، لا مِن حيث الإطار التاريخي، ولا مِن حيثُ الطبيعة والخصائص الحضاريَّة، فلا يزال يُسيطر على عقولِ علماء ورِجال السياسة عندنا اعتقادٌ ثابت في نظريةِ الدولة المدنيَّة (منتهية الصلاحية)، التي أفرزَها الفقهُ الغربيُّ في ظروفٍ طارِئة واستثنائيَّة.

لقدْ رأينا الأوروبيِّين يدخلون جحرَ الضب فدخلناه خلفَهم، وصدَقتْ فينا نبوءةُ الرسول الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - فهل حقًّا في الغرْب ينحُّون الدين جانبًا في سياساتهم؟

دور الدين في السياسة الأمريكية

وإذا كان مسموحًا في الولايات المتحدة أن يُصبح أيُّ ملحد رئيسًا للجمهوريَّة، فلمْ يتحقَّق هذا الأمر على مدار أكثرَ مِن قرنين من الزمان، هما عمرُ الولايات المتحدة، جاء فيها ثلاثة وأربعون رئيسًا؛ أي: بمعدَّل خمس سنوات لكلِّ رئيس، كلهم بالتمام والكمال مسيحيُّون، بل كلهم - عدا واحد - بروتستانت، فلمْ يأت سوى جون كيندي في الستِّينات رئيسًا كاثوليكيًّا، والذي لعبتِ الكنيسةُ الكاثوليكيَّة الأمريكية دورًا نشطًا في دعْمه في هذه الانتخابات، وكان الدِّين عندَ معظم هؤلاء الرؤساء مرتبطًا بتفكيرِهم السياسي، ومؤثرًا فيه، ويتَّضح ذلك في الأمثلة الآتية:

كان جون آدم الرئيس الثاني للولايات المتحدة يعتقد أنَّ الكتاب المقدَّس قدم النِّظام الوحيد الذي عمِل دائمًا وسيحفظ الجمهوريةَ في العالَم.

يقول جون كوينسي آدم - الرئيس السادس -: إنَّ إعلان الاستقلال كان حدًّا رائدًا في عمل البشارة الإلهيَّة، وإنَّ المبادئ الصحيحة للسياسة الأمريكيَّة يمكن اكتشافُها في القوانين العلمية التي وضَعَها الله في الخلْق والنصوص المقدَّسة.

قال الرئيس وودرو ويلسون - الرئيس الثامن والعشرون - في خطابه عام 1911م عن الكتاب المقدَّس والتقدُّم: لا تدع أحدًا يفترض أنه يُمكن فصل التقدُّم عن الدِين، والإنسان الذي يتجذر إيمانُه في الكتاب المقدَّس يعرف أنَّ الإصلاح لا يمكن أن يتوقَّف.

رونالد ريجان رئيس الولايات المتحدة في الثمانينات كان يردِّد في خلالِ حملته الانتخابية شعار (الإنجيل هو الحل)! وكان اليمين المسيحي قوَّة مؤثِّرة في فوز ريجان وجورج بوش الأب.

كشفتْ حملات الرئاسة الأمريكية عام 2000م عن الدور المؤثِّر لليمين المسيحي، وعن دَور الدِّين في السياسة الأمريكيَّة، ففي خلال حملته في الترشيحات الأولية في الحزب الجمهوري في ديسمبر 1999م قال المرشَّح جورج بوش الابن: (إنَّ يسوع المسيح هو الفيلسوف المفضَّل لي)، وعندما سأله تيم روسرت المذيع الشهير في شبكة N.B.C التلفزيونية لتوضيحِ ذلك قال بوش: (إنَّ المسيح هو الأساسُ الذي أعيش به حياتي شاءَ مَن شاءَ، وأبَى مَن أبَى)، يقول بوش في مذكِّراته: مهمَّتي تحقيق إرادة خالِقي التي صدرتْ قُبَيل الحملة الانتخابيَّة للرِّئاسة عام 2000م، لم أكُن أستطيع أن أُصبح حاكمًا ما لم أؤمن بخطَّة إلهيَّة تنسخ كلَّ الخطط البشريَّة!

المصدر : http://www.alukah.net/
الكاتب: جمال خيري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...
حدث خطأ في هذه الأداة