20‏/05‏/2011

إضاءات في كلمة بن لادن الأخيرة ...

أسامة وثروات الشعوب المسلمة
لم يكن أسامة بن لادن يعرف حين سجل كلمته عن الثورات العربية أنها ستكون كلمته الأخيرة للمسلمين. ولم يكن يعرف أيضا أن هذه الكلمة ربما تكون السبب في قتله بعد أن صرحت الولايات المتحدة أنها تأكدت من مقر إقامة بن لادن من مكالمة هاتفية أجراها حامل رسائله. كلمة بن لادن الأخيرة تختلف جذريا عن كلماته السابقة بل ...وتعد نقلة فكرية ضخمة تكاد تناقض بعض أصول تنظيم القاعدة. المتأمل لكلمة بن لادن الأخيرة سيرى إضاءات مختلفة تتمثل فيما يأتي:
أولا: تبدو في مستهل الكلمة سعادة بن لادن بالثورتين التونسية والمصرية، بل وتعكس تعبيراته انبهاره بهذا الإنجاز الكبير. انظر إلى فخره برجال الثورة المصرية في قوله "أخذ فرسان الكنانة قبسا من أحرار تونس إلي ميدان التحرير، فانطلقت ثورة عظيمة وأي ثورة ؟! ... ثورة مصيرية لمصر كلها وللأمة بأسرها إن اعتصمت بحبل ربها". إنها كلمات تعكس إعجابا بالغا.ثانيا: وصف بن لادن لمن ضحوا في الثورتين بالشهداء وصف لافت، وكيف لا ونحن نتصور بن لادن قد سجل كلمته بتؤدة وتأني وتدقيق في كل لفظة. لقد جاء بن لادن بهذا الوصف في افتتاح كلمته عن قصد، حيث يوجه نداءه للأمة فيقول " فهنيئا لكِ انتصاراتك ورحم الله شهداءك وعافى جرحاك وفرج عن أسراك"، ثم يعود ويصف شباب الثورة لاحقا بهذا الوصف الدقيق الجميل "تحمل فتيان الأمة عبأ الثورات ومصابها ورصاص الطغاة وعذابها فمهدوا الطريق بتضحياتهم وأقاموا جسر الحرية بدمائهم، فتية في مقتبل العمر طلقوا دنيا الذل والقهر وخطبوا العزة أو القبر".

ثالثا: توصيف بن لادن للثورة المصرية جاء دقيقا وواقعيا، فلم يصفها بثورة جياع كما كان يتصور كثيرون، ولم يدعِ أنها كانت ثورة "إسلامية جهادية" كما تروج لهذا بعض المواقع الجهادية المرتبطة بالقاعدة، بل جاء توصيفه مطابقا للواقع فقال "ولم تكن هذه الثورة ثورة طعام وكساء وإنما ثورة عز وإباء ثورة بذل وعطاء أضاءت حواضر النيل وقراها من أدناه إلى أعلاه".

رابعا: في نصيحته "للثوار الأحرار" في مصر، تكلم بن لادن عن أشياء لو لم نعرف قائلها ما تصورنا أبدا أنه بن لادن. فالرجل ينصح ثوار مصر بأن يتبنوا حركات التحرر في البلاد العربية الإسلامية الأخرى ويقدموا لهم المشورة والإرشاد من خلال "غرفة عمليات" خاصة، وينصحهم بأن يحددوا من واقع خبرتهم لكل بلد الوقت المناسب لثوراتهم بلا تراخ ولا اندفاع "فالتأخر يعرض الفرصة للضياع والتقدم قبل أوانه يزيد من عدد الضحايا". ويذهب بن لادن لأبعد من هذا حين ينبه إلى ضرورة الاستعانة بالخبراء والمراكز البحثية !، بل وينبه أيضا إلى الانشغال بحاجات الناس وضروراتهم، فجهود الثوار ينبغي أن " تشمل جميع حاجات الأمة مع الاستفادة من مقترحات أولي النهى في هذه الأمة والاستعانة بمراكز الأبحاث المؤهلة وأولي الألباب من أهل المعرفة". وهذه إشارات ربما لا نسمعها مطلقا من علمائنا ودعاتنا المعروفين بالاعتدال والوسطية.

خامسا: رؤية بن لادن للأولويات بعد نجاح الثورة وتركيزه على "ثورة الوعي وتصحيح المفاهيم"، رؤية ناضجة، خاصة عندما نعرف عن أي مفاهيم يتحدث. لقد ذكر أن أولى المفاهيم بالنشر والعناية هو مفهوم التوحيد، ثم نصح من يسمع كلمته بقراءة كتاب "مفاهيم ينبغي أن تصحح" للأستاذ محمد قطب. ولنا أن نتصور أتباع بن لادن وهم يقرأون في هذا الكتاب مثلا في فصل (مفهُوم الحضارة وعمارة الأرض) بعض الملامح والمفاهيم التي ربما يقرأونها للمرة الأولى مثل قوله "... إن الوفاء بالمواثيق ، يستوي في ذلك العقود الفردية أو المعاهدات والمواثيق الدولية ، جزء من المفهوم الإسلامي للحضارة . وإن طلب العلم ، سواء العلم بدين الله وأحكامه ، أو العلم بسنن الله في الكون وخواص المادة ، الذي يعين على استخلاص ما سخر الله للإنسان من طاقات السماوات والأرض ، واستخدامها في عمارة الأرض ، أو العلم بسنن الله في الحياة البشرية ، التي يقوم على أساسها مجتمع صالح ، أو العلم بالتاريخ البشري وما فيه من فترات الهدى والضلال ، والنتائج المترتبة على كل منهما في واقع الحياة البشرية .. إن هذا العلم بمختلف فروعه واتجاهاته ، جزء من المفهوم الإسلامي للحضارة .
وإن إقامة فنون نظيفة ، تلتفت إلى الجمال في الكون وفي الحياة البشرية وتعبر عنه في أداء جميل .. فنون لا تزين الفاحشة لأن الفاحشة ليست جمالا ولكنها هبوط . ولا تزين لحظة الضعف لأنها ليست جمالا إنما هي لحظة غفلة عن إدراك غاية الوجود الإنساني ، أو لحظة تقصير في تحقيق ذلك الوجود . ولا تزين الانحراف والشذوذ لأنه ليس جمالا ، وإنما هو نشاز نافر عن الجمال ، ولا تزين عبادة الشيطان وعبادة الهوى والشهوات ، لأنها ليست جمالا ، وإنما هي حطة للإنسان الذي كرمه الله وفضله ، وأراد له أن يتحرر من كل عبودية زائفـة تزري بكيانه وتستذله .. إن إقامة مثل هذه الفنون جزء من المفهوم الإسلامي للحضارة.
وهذا كله ، وما كان في مثل اتجاهه ، هو الجانب المعنوي من الحضارة في المفهوم الإسلامي . ثم إن هناك جانبا ماديا للحضارة الإنسانية يشمله المفهوم الإسلامي ، وهو جانب ضخم كذلك .... وهذا الجانب من العمارة يحتاج إلى كدح ذهني وعضلي لتحقيقه . يحتاج إلى معرفة خواص المادة والسنن الربانية التي يُجْري الله بها هذا الكون ثم استخدام هذه المعرفة في المجال التطبيقي في الفيزياء والكيمياء والطب والهندسة وسائر العلوم ..". اهـ

سادسا: يرى بن لادن أن مع الثورات العربية قد "هبت رياح التغيير"، ولعله يعني التغيير بمعناه الواسع الشامل في كل المجالات بما فيها المراجعات الفكرية.

لقد كانت كلمة بن لادن الأخيرة أفضل ما سمعناه منه – ربما على الإطلاق – ولعل في ذلك بشرى طيبة له موافقة للدعاء المأثور " اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أعمارنا أواخرها".

د. محمد هشام راغب
http://www.facebook.com/Dr.M.Hesham.Ragheb

هناك تعليق واحد:

  1. كلام جميل
    لماذا ركزت على هذا الجانب من مفاهيم ينبغي ان تصحح ولم تاتفن الى مفهوم لا اله الا الله مثلا الذي استغرق اكثر من نصف الكتاب ومفهوم العبادة ا
    ام انك انتقائي تروج لما تريد لا لما يريد الشيخان
    اجو المعذرة فهذا توصيف قلته لانني فهمت هذا منك
    فكيف بمن لم يطلع على الكتاب ؟؟؟
    ان الذي دمر الامة هو هذا وليس غيره

    ردحذف

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...
حدث خطأ في هذه الأداة