05‏/05‏/2011

من كان وراء الثورات العربية

يقول سليم الرقعي ردا على سؤال هل ويكيليكس كان شرارة الثورات العربية!؟ 

 الأمر أكبر وأعقد من ويكيليكس!
أعتقد أن إجابة هذا السؤال هي بـ(لا) !.. فهناك تحليل يتبناه القذافي وبعض النظم العربية الديكتاتورية يقوم على نظرية المؤامرة مفاده أن المخابرات الإمريكية أو الإسرائيلية هما من كان وراء ثورات الشارع العربي حيث إستخدمت فضائح وثائق "ويكيليكس" للتحريض ضد هذه النظم العربية التي وقعت فيها الثورات؟!!!.. ولكن دحض هذه الفرضية القائمة على نظرية المؤامرة سهل جدا ً وهو في السؤال التالي : ولماذا كانت أمريكا وإسرائيل تريدان إسقاط أنظمة عميلة لها وتخدم مصالحها الإستراتيجيه في المنطقة؟ مثل نظام "مبارك" ونظام "زين العابدين" ونظام "القذافي" الذي إعترف مؤخرا ً أن وجوده يخدم أمن إسرائيل؟ .. وهل المخابرات الإمريكية هي التي أوعزت للمواطن التونسي الفقير والعاطل عن العمل "البوعزيزي" مثلا ً أن يحرق نفسه في قرية نائية كي تنفجر الثورة التونسية لتطيح بنظام بن علي!!؟.
اللجوء لنظرية المؤامرة هو ديدن النظم الديكتاتورية والعقول الكسولة!
لابد لنا - يا إخواني - أن نتحرر من "نظرية المؤامرة" فهي أسهل وأريح التفسيرات وهي نتاج الكسل العقلي ونتيجة التعميم والتسطيح لمسائل شديدة التركيب والتعقيد!.. فهي تعطي أمريكا وإسرائيل أكبر من حجمهما الحقيقي وحجم قدراتهما الحقيقية في واقع العالم المعاصر! .. صحيح أن هناك مؤامرات تحاك وتخطيطات تتم في الخفاء في غرف أجهزة المخابرات الدولية وأن أمريكا قوية وكذلك إسرائيل لكنهما لا يستطيعان التحكم في كل المعطيات ولا في إمكانهما توقع كل شئ سيقع في العالم فأمريكا ليست إله ولا المخابرات الإمريكية "سوبرمان" الخارق للعادات!.. وأنا على يقين أن ثورة الشارع العربي هذه كانت مفاجئة لهما إلا أن الغربيين بطبيعتهم يحاولون دائما ً التعامل مع الواقع الجديد الذي يحدث خارج توقعاتهم كيف كان بمرونة ودهاء وصبر ويحاولون إستيعابه والإنخراط فيه تدريجيا ً بغرض التخفيف من مخاطره المحتملة عليهم قدر الإمكان ومحاولة توجيه هذا الواقع الجديد لتحقيق مصالحهم!.. ولكنهم قطعا ً ليس هم من يصنع أحداث هذا الواقع شديد التعقيد!.. لهذا فأنا على يقين تام بأنه ليس لهذه الوثائق التي نشرها موقع "ويكليكس" أثر أساسي في صناعة هذه الثورات الشعبية التي تمور في الشارع العربي اليوم وبالنسبة لليبيا مثلا ً لا أثر لها على الإطلاق فمعلومات الشعب الليبي عن فضائح القذافي وأولاده أكبر بكثير جدا ً مما نشرته ويكيليكس بل بالعكس بدت لنا ويكيليكس وكأنها متعاطفة مع القذافي في بعض ما نشرته حيث صورته أنه رجل زاهد ومتقشف!!.. لذا فالذي شجع الليبيين للخروج إلى الشارع ليست وثائق "ويكيليكس" بل هو نجاح الثورة التونسية ثم المصرية بالدرجة الأولى! .
إكتمال ونضوج الشروط الموضوعية للثورة كان هو الأساس!
فحتى لو لم يخرج موقع "ويكيليكس" فإن الظروف الموضوعية في بعض الدول العربية ومنها ليبيا ومصر وتونس كانت أصلا ً على فوهة بركان .. فالغاز القابل للإشتعال كان يملأ المكان ومتغلغلا ً في كل زوايا هذه المجتمعات وكانت هذه الشعوب فقط في إنتظار الشرارة الأولى التي توقد النار كي تنفجر الأوضاع المشبعة بالغاز القابل للإشتعال اصلا ً! .. ويبدو أن تونس كانت الأكثر إستعدادا ً وإحتقانا ً حيث تلقفت حادثة فردية كان يمكن أن تمر بشكل عادي دون ضجيج لولا ذلك الإحتقان الإجتماعي والسياسي العام ونضوج الظروف الموضوعية للثورة!!.. ومما ساهم كثيرا ً في نجاح الثورة التونسية هو بالدرجة الأولى "عنصر المفاجئة" الذي شكل صدمة لنظام "بن علي" الذي كان واثقا ً في قبضته الحديدية وسيطرته التامة على البلد إلى درجة الغرور الذي يعمي الطغاة عن رؤية نذر الطوفان القادم! .. فخروج التظاهرات الإحتجاجية بكل تلك الكثافة في عدة مدن تونسية شكلت صدمة مربكة للنظام التونسي لأن كل التحليلات الأمنية وكذلك الرأي الشعبي بل والنخبوي السائد في الشارع العربي آنذاك كانت تؤكد على أنه لا أمل في وقوع ثورات شعبية في العالم العربي خلال الزمن المنظور وكان ظاهر الحال يشير إلى هدوء وإستسلام تام وكانت معظم التقارير الأمنية العربية تشير أن الشارع العربي أصبح يميل للسكون والهدوء والإبتعاد عن السياسة وأن المعارضات العربية أصبحت مجرد نخب معزولة في الشارع العربي أو شبه منبوذة وأنها لا تشكل خطرا ً جديا ً على هذه النظم البوليسية القوية بل هي مصدر إزعاج فقط خصوصا ً لأن معظمها يعيش خارج الوطن!.
ثورة الشعب وإسقاط النظام في تونس كانت مفاجئة غير متوقعة!
لا أحد كان يتصور أن تحدث ثورة شعبية سريعة وعارمة تطيح بالنظام التونسي بمثل ذلك الزمن القياسي .. حتى الشعب التونسي نفسه كان قبل ذلك بأسابيع يقول أن نظام "بن علي" جبار ومتمكن ولا أمل في إسقاطه!!.. ولم يكن يتوقع ذلك بل حتى المتظاهرين المحتجين التونسيين أنفسهم حينما خرجوا في بداية المظاهرات خرجوا في مظاهرات إحتجاجية تطالب بالإصلاح وتحسين أحوال الناس وتوفير العمل للعاطلين!.. ولكن الأحداث تسارعت وحاول النظام التونسي قمع التظاهرات بالقوة فكانت ردة فعل الشارع التونسي شديدة وعنيفة وإرتبك النظام وإرتعب رأس النظام وإرتعدت فرائصه فقرر الهروب فساهم هذا الشعور النفسي وهذا القرار الشخصي في سقوط النظام !!!.. فشجعت التجربة التونسية بدورها الشعب المصري فثار وتمكن من إنجاح الثورة !.
إنتقال عدوى الثورة بالتداعي والتشجيع التسلسلي!
وشجع هذا النجاح بدوره الشعب اليمني والشعب الليبي فإنطلقت شرارة الثورة في كل منهما مع أن الكثير من الليبيين كان يستبعد خروج الليبيين في ثورة ضد القذافي كما فعل التوانسة أو المصريين وبعضهم كان يطلق النكت البذيئة المسيئة للشعب الليبي من باب جلد وإحتقار الذات الوطنية !!!!.. وقد تابعنا بعض الكتابات والنكت على النت في هذا الإتجاه المشين والذي لطالما إستنكرته في مقالاتي وبعض الخطابات المسموعة!!.. ولكن الشعب الليبي فعلها !!.. فعلها وإنتفض بشكل قوى وأسطوري في وجه أشد النظم العربية ديكتاتورية ودموية ..نظام الطاغية معمر القذافي!!.. إلا أنه في ليبيا كان من المقدر لهذه الإحتجاجات الشعبية التي إنطلقت في "بنغازي" بسبب طبيعة القذافي الدموية أن تتحول إلى إنتفاضة مسلحة بالضرورة!.. ثم دفعت طريقة القذافي الطغيانية الجنونية في مواجهة حركة الشارع الليبي إلى تدخل المجتمع الدولي عندما بدأ الطاغية القذافي يستعمل الأسلحة الثقيلة ضد المتظاهرين والثوار ويرتكب المجازر ضد أبناء شعبه كما لو أنه يواجه جيشا ً أجنبيا ً يحتل البلد!!!.
دور ثورة الفضائيات والإتصالات والمعلومات!
ومن أهم العوامل التي ساهمت في التحضير لهذه التحركات الشعبية بلا شك "الإنترنت" كوسيلة إتصال شعبي وتعارف إجتماعي وتبادل الأراء والأفكاروالمخططات!.. حيث ساهمت مواقع الشبكات الإجتماعية و"اليوتيوب" على عمليات التحريض والتحضير والإتفاق العام لتحريك الشارع في موعد محدد!.. ثم ساهمت الفضائيات بعد ذلك وخصوصا ً قناة الجزيرة في مواكبة المجتمع المحلي والمجتمع الدولي لأحداث الإحتجاجات وردود أفعال السلطات بشكل يومي وحي مما ساهم في إعطاء زخم لهذه التحركات الشعبية وإكسابها تعاطفا ً دوليا ً في تونس ومصر وليبيا واليمن واليوم في سورية .. ولا شك أن لبعض القوى السياسية المنظمة في الداخل والخارج دور وسهم في دعم حركة الشارع الغاضب والملتهب والمنتفض.
هكذا أتصور طبيعة حدوث هذه الثورات الشعبية العربية التسلسلية حيث أصبح إحداها يؤثر في الآخر والبقية تأتي .. فهذه ثورة شعبية عربية حدثت بسبب عدة تراكمات وإحتقانات وإلتهابات إجتماعية على رأسها فشل بعض هذه النظم العربية البائسة والقاسية التي تحكم شعوبها بقبضة أمنية وتوغل في الإستبداد والفساد في تحقيق نوع من الرفاهية والعدالة الإجتماعية لشعوبها .. ثم وفي الختام هي إرادة الله وتدبير الله ومكر الله الذي يأتي الطغاة من حيث لا يحتسبون عندما يعلم الله أن عبيد هؤلاء الطغاة كرهوا بالفعل في قرارة أنفسهم هذه العبودية وتاقت أنفسهم لتنسم عبير الحريه!.. عندها – وعندها فقط – يأتي الأمر ويستجيب القدر لإرادة البشر مصداقا ً لقول الشاعر التونسي الكبير : إذا الشعب يوما ً أراد الحياة ** فلابد أن يستجيب القدر!

 ويقول عبد الباري عطوان في نفس السياق

فماذا تقولون أنتم؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...
حدث خطأ في هذه الأداة