25‏/07‏/2011

هل يمكن أن يحصل تحرير بديمقراطية؟

بقلم خالد زروان
الديمقراطية هي نظام حياة كامل من وضع البشر. يقوم نظرياً على حكم الشعب لنفسه بنفسه. أي أن الشعب نظرياً، هو الذي يشرع لنفسه القوانين والتشريعات التي يحتكم إليها. عملياً، وبإعتبار أن هذا المبدأ غير قابل للتطبيق، فإنه يتم اللجوء إلى آليات لحصر الأفراد الذين يقومون بالتشريع. وينتهي الأمر إلى لجنة ضيقة تقوم بسن قوانين وتشريعات لمجموع الأفراد. ويتبين أن حكم الشعب لنفسه بنفسه، هي أكذوبة يهيم بأوهامها أكثر الناس اليوم. فالتشريعات والقوانين انما واضعوها هم أفراد محصورون وليس مجموع الأفراد.
وبإعتبار أن الديمقراطية هي الجانب السياسي من النظام الرأسمالي، فإن المشرعين الفعليين والحقيقيين هم أصحاب رؤوس الأموال واللوبيات المتنفذة. وليس لعامة الشعب من التشريع من نصيب. ومن يضع القانون، هو مخلوق ناقص عاجز ومحتاج، لا يدرك حاجات الناس الأساسية ولا يحسن تقدير فطرهم ولا غرائزهم، فكيف بمن لا زال يجهل نفسه أن يضع قانوناً لنفسه، فما بالكم بوضع قانون للناس أجمعين. ثم إن هذا المشرع البشر، هو غير موضوعي بطبعه، فالقانون سوف يحفظ فيه أكيداً ما يخدم مصالحه ويصونها، ولذلك يحق له أن يقول كما يقول كل الحكام اليوم وقواد الدول الكبرى: "القانون هو الفيصل". فلو لم يكن المتنفذون وأصحاب رؤوس الأموال هم الذين ودعوا تلك القوانين، لما رفعوا القانون سلاحاً في وجه عامة الشعب وشعوب العالم المستضعفة.
لذلك فحاجة الإنسانية إلى مشرع من خارج الإنسان، هي حاجة ملحة وأكيدة. وهذا يدركه المفكرون الغربيون جيداً. فمدارس التواصل الحديثة تدرك هذا العجز الذاتي للنظام الديمقراطي وتدرك هذه الحاجة الاكيدة لنظام نابع من خارج الإنسان. فمدرسة ستيفن كوفوي لمعارف التواصل وهي مدرسة تعتبر سباقة في ميدانها ويعتبرها المفكرون والمختصون أنها مدرسة القرن الواحد والعشرين لمعارف التواصل تقوم على أمر جوهري ألا وهو محورية المبدأ في حياة الإنسان. وتعرف هذه المدرسة المبدأ أنه مجموع مفاهيم نابعة من خارج الإنسان. وإعتباراً لمنبعها، فإنها تكون موضوعية، ولذلك تصف هذه المدرسة المبدأ، على عكس القيم، بالموضوعية.
فهل وجد الناس هذا المبدأ النابع من خارج الإنسان الذي يمكن أن تحتكم إليه الإنسانية فيحدث فيها العدل والحرية والكرامة والمساواة أمام المشرع، وينتج عنه سعادة؟
ستيفن كوفوي وهو مسن في التسعين اليوم، يقترح خليطاً من المباديء يعتبرها قادمة من خارج الإنسان. فقد اطلع على الهندوسية، والبوذية والإسلام -قرآن، سيرة إبن هشام،…- … وإستخلص مجموعة من المباديء التي يراها ثابتة لدى الجميع، من مثل لا تكذب، لا تسرق، اغتنام الوقت،… ويقوم ومدرسته بعمل طليعي في إعادة هيكلة المؤسسات من العائلة إلى الشركة إلى الدولة وصانعي القرارات. ولكن هذا العمل على مستوى المؤسسات والمجتمعات، هو كالمسكنات التي قام بها ساركوزي واوباما سنة 2009 في الميدان الإقتصادي من أجل تأخير إنهيار الرأسمالية. والسؤال يبقى مطروحاً على الإنسانية ماهو هذا المبدأ الذي ينبع من خارج الإنسان ويقدم حلولاً لمشاكل الإنسان بصفة موضوعية تشيع العدل والمساواة وحرية الإنسان وكرامته ويحقق سعادته؟
على مستوى الحياة المعاشة اليوم يواصل الرأسماليون واللوبيات المتنفذة إحكام قبضتهم على الشعوب، ويتم إمتهان كرامة الإنسان وإطلاق الحروب وتجويع الناس ومصادرة خيارات الشعوب واستعبادها ومصادرة خيراتها وحتى مساكنها وأراضيها، وسلاحهم في ذلك واحد، هو: القانون، الذين يمتلكون تشريعه.
فهل وعى المسلمون على عظم رسالتهم التي كلفهم بها خالق الكون والإنسان والحياة وعادوا إليها لينجوا أنفسهم وينجوا البشرية من براثن الرأسمالية الجشعة واللوبيات الأخطبوطية التي تمتص دماء الشعوب وتفقرهم كل لحظة؟ فهي لا يمكنها أن تعيش على غير الظلم والقهر، لأمر بسيط، فالراسمالية اللاأخلاقية تعريفاً يقتلها العدل في التوزيع وينعشها تفاوت توزيع الثروات، فمشكلتها الإقتصادية هي إنتاج الثروة التي تتمثل في الموارد الطبيعية مثلاً في اغتصابها من اصحابها بشتى الطرق، كتنصيب من يخدم مصالحهم عليها عن طريق القانون والشرعية الدولية، ثم نقلها من مصادرها اليهم، أو تتمثل كذلك في إنتاجها عن طريق القانون الذي يتيح لصاحب فكرة إحتكار فكرته وهو ما يسمى بحقوق الملكية الفكرية. أما الإسلام فقد حدد مشكلته الإقتصادية بأنها مشكلة توزيع. وبذلك فعندما يتم العدل في التوزيع، يعتبر الإسلام أنه قد حل مشكلة الناس الإقتصادية، وهو عدو للظلم والقهر. وهذا ما تبغضه الرأسمالية والديمقراطية وهي الآن تقاومه على خطوط التماس، في تونس ومصر واليمن وسورية تحديداً. تريد استباقاً أو لحاقاً صرف انظار الشعوب عن إسلامها رسالتها منقذة البشرية.
لا تحرير بديمقراطية. لا تحرير بنظام ديمقراطي رأسمالي. انما التحرير يكون عندما يكون مشرع القانون من غير المخلوقين. أي أن يكون، بالنسبة لنا كشعوب مسلمة، الشرع من عند الخالق. أي الإسلام. عندها يتساوى الرئيس والمرؤوس، الغني والفقير، القوي والضعيف أمام شرع وقانون الخالق فيحصل العدل والمساواة ويحقق الإنسان حريته المطلقة بخضوعه لحكم الخالق بدل خضوعه لحكم المخلوق وهذا ما أسماه رسول الأنام صلى الله عليه وسلم في رسائله للملوك والقياصرة والأباطرة "إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد"، إخراج الناس من ربق قانون الملوك إلى قانون خالق الملوك وملكها. فأي حرية وأي عدل وأي كرامة تلك التي ينالها الإنسان بغض النظر عن إسلامه من عدمه، من أحكام وقوانين خالقه وبارئه؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...
حدث خطأ في هذه الأداة