02‏/07‏/2011

ثلاثية الحرية والعدالة والنظام !؟

ضحكت اليوم كثيرا ً في طريق عودتي للبيت من مدرسة إبني "نصر" – هنا في "شفيلد" ببريطانيا حيث أقيم - حيث وجدت إمرأة عربية مختمرة تسير في الشارع ومعها أطفالها الصغار.. وفجأة ً أخذت إبنتها الصغيرة تهتف وتصيح بصوت عال ٍ : (الشعب يريد إسقاط النظام !!) وأخذت تكررها بحماسة منقطعة النظير بقوة وإعتداد!.. فقلت في نفسي : سبحان الله حتى الأطفال المولدون هنا في الغرب أصبحوا مغرمين بـشعار الثورة العربية المعاصرة (الشعب يريد إسقاط النظام)!!.
أنا وإبني وجدلية النظام والحرية؟
أحيانا ً إبني "نصر" يشعر بالحنق عليّ عندما آمره بأداء واجباته أو بضم ألعابه أو بقراءة درس من كتاب المطالعة العربية فترتسم معالم الغضب والضيق ذرعا ً بأوامري السلطوية الأبوية على وجهه ويقول بسخط وإحتجاج : (الشعب يريد إسقاط النظام) !!.. فأقهقه ضاحكا ً وأدخل معه في مناقشة وسجال عن أهمية النظام للحرية وأضرب له مثل حركة السير في الشارع فأقول له : (تخيل معي - يا بُني - لو أن ليس هناك إشارات وقواعد مرور !!.. ماذا سيحدث!!؟).. فيجيب بعد تفكر وتخيّل للمسألة : (ستصطدم السيارات بعضها ببعض وتحصل فوضى وكوارث)!!.. فأقول له : (أرأيت؟؟؟ لهذا فالنظام أمر مهم جدا ً للحرية فالحرية بلا نظام فوضى وفي المقابل فإن النظام بدون حرية عبودية!.. لذا لابد أن يكون هذا النظام المنظم للحريات نظاما ً صحيحا ً وعادلا ً ومتوازنا ً يحقق حريات الناس من جهة ومن جهة يمنع التظالم والتناحر وحدوث الفوضى!..فنحن لسنا ضد النظام - أي نظام - من حيث المبدأ ولكننا ضد النظام الظالم وغير السوي وغير السليم) … ويبدو أن إبني "نصر" إقتنع بشكل كبير بهذه الفكرة وأعجب بها خصوصا ً وأن المثل الحسي - مثل ضرورة إشارات المرور لتنظيم السير - مثل سهل الفهم لدى الأطفال - وأصبح بالتالي يعتقد بضرورة الموازنة بين الحرية الشخصية وبين ضرورة النظام .. وأصبح هو نفسه أحيانا ً يستعمل هذا المثل نفسه في مناقشتي إذا سمعني أقول له : (أنا حر) إذا طلب مني أن أنام مثلا ً مبكرا ً مثله!!.. وأصبحت أنا أيضا ً أذكره بهذا المثل كلما إحتج علي بالقول: (أنا حر) إذا طلبت منه فعل شئ من واجباته المدرسية أو المنزلية!.. فأقول له : ( نعم أنت حر .. صحيح .. وهذا شئ جيد وأنا حر أيضا ً ولكن لابد من وجود نظام ينظم حريتي وحريتك!) فيقتنع ولكنه لم يسألني حتى الآن : ومن سيضع لنا هذا النظام !!!؟؟؟.
لا مفر من نشر ثقافة الحوار والشورى والتعود عليها!
هذا طرف من بعض المناقشات التي تحدث بيني وبين "إبني" المولود في الغرب فالتربية هنا في الغرب - كما تعلمون – تميل إلى تعزيزالحريات الفردية وقوة شخصية وإستقلالية الفرد وتعوّد الأطفال على الإعتزاز بحريتهم الشخصية ومناقشة الأباء و(السلطات) في قراراتهم لا مجرد السمع والطاعة على طول الخط كما هو الحال في المؤسسة العسكرية في علاقة الجنود بالضباط!!.. بل قد يناقشك إبنك في قرارك الذي إتخذته عن طريق السؤال التقليدي (لماذا!؟) .. وهذا يتطلب منا نحن الجيل الذي تربى على (الطريقة العربية العسكرية الديكتاتورية) التي شعارها (ما في داعي للنقاش يا حيوان!!)(طاااااخ !!!؟؟)(*) التعوّد على لغة المناقشة والإقناع والشوري والحوار مع أولادنا وزوجاتنا .. وهو أمر ليس بالسهل بالطبع فالطبع يغلب التطبع!.. أنا شخصيا ً أحيانا ً أفقد السيطرة على أعصابي عندما يكون مزاجي متعكر أو وكان " مستوى السكر" في دمي مرتفعا ً بشكل كبير عن المستوى الطبيعي فأحاول حسم الموضوع وفرض قراراتي بقوة السلطة الأبوية ولكن سرعان ما أعود إلى الإحتكام إلى العقل والعدل وأتراجع عن قراراتي وأوامري التي صدرت في ساعة غضب!.. المسألة ليست سهلة – إذن - ولكن علينا أن نحاول أن نتخلص من روح التسلط المغروسة في طباعنا الذكورية من جهة والمغروسة في ثقافتنا الشعبية من جهة أخرى!!..ففرض أنفسنا وأرائنا على الآخرين بالقوة ولغة التهديد والوعيد أصبحت من سمات ثقافتنا الشعبية الإجتماعية السائدة في عالمنا العربي والتي نريد تغييرها وتجديدها في إتجاه الإرتقاء لمستوى القيم الحضارية التي حث عليها ديننا الحنيف وإتفق على صحتها كل عقلاء وحكماء البشر .. ومن هنا نبدأ .. ومن هنا يبدأ التغيير الثقافي والحضاري للأمة.. من النفس والعقل .. ومن البيت والأسرة .. ومن المدرسة!.. قال تعالى ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
العدالة بين المثال والواقع!؟
علينا استثمار هذه الثورات العربية من أجل تغيير الكثير من مفاهمينا الخاطئة والكثير من جوانب ثقافتنا الإجتماعية الشعبية والسياسية السائدة بثقافة قائمة على التمدن والتحضر وإحترام حقوق وحريات الإنسان دون الإخلال بموازين العدل أو الإخلال بالنظام مادام هذا النظام يحترم الحريات ويحقق العدل .. العدل بمفهومه الواقعي النسبي لا بالمفهوم المثالي المطلق .. إذ أن تحقيق العدل بمفهومه الكلي الكامل الشامل المثالي المطلق في حياة البشر في هذه الحياة الدنيا يحتاج إلى أن يخضع الناس إلى حكم "إله" كامل العلم والقدرة والأخلاق بشكل مباشر!.. ولكن الله تعالى إقتضت حكمته ومشيئته "الإلهية" أن يترك تدبير أمر حياة البشر الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والعمرانية للبشر أنفسهم – بقدراتهم العلمية والعملية المحدودة – بعد أن وصاهم بالعدل وزودهم بالعقل وزودهم بالفطرة وبوصايا وتعاليم وتوجيهات أخلاقية عامة تعينهم على عمارة الأرض وتحقيق العدالة في حياتهم في حدود "الممكن" وفي حدود طاقاتهم وتجاربهم وخبراتهم المتراكمة .. وترك أمر تحقيق العدل الكلي الكامل الشامل المطلق بين البشر لنفسه يوم الدين!!.. أما هنا فوق هذه الأرض وتحت حكم البشر وفي هذه الحياة الدنيا فتحقيق العدل الشامل الكامل التام والمطلق بصورة مثالية هو أمر غير ممكن نظرا ً للقصور البشري الدائم سواء من حيث المعرفة أو من حيث القدرة!.
سليم نصر الرقعي
كاتب ليبي يكتب من المنفى الإضطراري
(*) إشتغلت في بداية قدومي لبريطانيا كعامل بناء وتعرفت أثناء عملي على عامل قال لي بأن أباه عربي الأصل ولكنه طلق أمه الإنجليزية منذ طفولته وأنه لم يعد يذكر منه إلا جملة واحدة بالعربية فقط سألني بصدق عن معناها فسألته عن تلك "الجملة" المتبقية في ذاكرته من أيام الطفولة فقال كان أبي عندما يركلني بقدمه يقول لي : (إمشي يا إبن الكلب)!!!!؟؟.. فما معنى هذه الجملة !!!؟؟.. وطبعا ً لم يطاوعني قلبي على أن أترجم له تلك العبارة حرفيا ً وترجمتها على أساس ( إذهب بعيدا ً)!!.. فهذه هي "الذكرى" الوحيدة التي يحتفظ بها هذا (الإبن) من ذلك "الأب"البائس!.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...
حدث خطأ في هذه الأداة